عماد الدين موسى يبحر عكس الماء

في «زورق مثقوب»..
رشيد الخديري

بعد منجزه الشِّعري (كسماءٍ أخيرة)، صدر للشاعر السوري- الكردي عماد الدين موسى، عن منشورات المتوسِّط في إيطاليا، مجموعته الشِّعرية الجديدة (حياتي زورق مثقوب)، ويُمكن اعتباره امتداداً جينياً للعمل الأوّل، خصوصاً في ظلِّ الرُّؤى المتحجّبة خلف المُتخيّل، وإبحاراً في السّراديب السُّفلى للذات. وظنِّي أن تجربة (حياتي زورق مثقوب) تقدِّمُ نفسها كتجربةٍ تستعيد جراحات الماضي، وتخوضُ- بشكلِ أو بآخر- في التّشظّي الدلالي واحتدام الداخل؛ مما أعطى للمجموعة نَفَساً شعرياً مُوغلاً في الغنائية الدرامية.
إن الطّابع المرآوي لنصوص المجموعة ينبني على شعرية الانشطار: انشطار الداخل ومُحاولة رأب صدوعه بتركيب ما لا يُّركَّب، بالاتّكاء على التّضاديات والإكثار من الصُّور التّقابلية للدلالة على التّفجُّع، هكذا تنطبع النصوص التي جاءت مُزاوجةً بين النّصّ المقطعى والشذري، والنّص العضوي. وما يُرتِّقُ الخيوط الدلالية هو العزف على إيقاع الخطّ الاستعادي- الاسترجاعي لمسارِ حياةٍ سمّاها الشاعر- مجازاً- زورقاً مثقوباً، من هنا ينبع السؤال: هل فعلاً هي حياة بزروق مثقوب، ونحنُ نعلمُ أن عماد الدين موسى يُجيد التّجديف والغوص في الأعماق، مثل نوتيّ يهوى صيد المحار وجمع الصدفات؟
من المؤكَّد- في ضوء التجربتين الشعريّتين- ثمّة وعي بقيمة الوعد الشعري، وهو ما يسعى إليه عماد الدين موسى عبر مساءلة السراديب السفلى للذات والإقامة فيها، ولو بعد حين.
“حين لا بيت” هو السِّمة البارزة لهذا المدّ الشعري، رغم الاحتماء بالطبيعة وحرارة الذكرى ومُحاوارات الكائن والممكن. فقط، سياج ووجوه تمرُّ دون أن تُغيِّر مسار الزورق في عبوره الأخير لسماء عامودا، إنها “قطعة ناقصة” تسقط، تتمزّق، تتشظّى، تتمرأى في هيئة طيف عابر، لعلّها الذكرى، حجرة عثرة في سبيل النّسيان، ولا نكاد نسمع صوتاً للعصافير في ظلّ هذه العتمة، يقول الشاعر في قصيدة “لا تذهب الحديقة باكراً”:
في الفجر.. لا عصافير
إنما صوت عصافير بعيدة
لا غناء.. إنما بروفا
فقط بروفا. (ص: 8).
لاشيء يُنبئُ بالحياة، فقط العدم، ولا وجود للغناء، لأن العصافير هاجرت إلى وجهة غير مجهولة، لا غناء- إذاً- في الحديقة، فقط صدى لغناء أو تمارين لحناجر مبحوحة، ثم إن عماد الدين موسى لا يسعى في هذه المجموعة الجديدة إلى قتل الأب بالمفهوم النيتشوي، بل يقومُ بمحاورات، المغزى منها التّعبير عن مكنونات روح، وبكاء روح منذورة إلى لعنات قدرية.
(حياتي زورق مثقوب) رحلةٌ سرمدية للصيد في أقاصي الذات، بما في ذلك من أعطاب وأخطاء دنيوية. وعماد الدين موسى يكتب بأناقة ديك، سِفرهُ الأخير في كتاب الشقاء. في هذه المجموعة، ثمّة روح إميل سيوران في لذّة الألم وتأبيد المعرفة؛ لولا الألم ما كانت هناك معرفة، أليست الكتابة- في النهاية- “انتحاراً مؤجَّلاً”؟ يقول الشاعر فاتحاً ذراعيه للألم:
من يقطف الحزن
من يصوّب أغنية
من يمتحن الألم.. من قصيدة: “حبك على الأبواب كزائرٍ لا يُمل” ص: 14
الحزن، والأغنية، والألم، وصفة متكاملة لكتابة قصيدة تتغنّى بالجراح والعذابات، ومهما يكن من أحزان جاثمة على القلب، دوماً، هناك شرفة صغيرة نُطِّلُّ من خلالها، وعبرها، على الحياة، المجد- إذاً- كلّ المجد، للحياة.
ما يرمي إليه عماد الدين موسى، من هذه المجموعة، ليس فنّ تطريز الكلام -بتعبير الناقد نجيب العوفي- أو اللغة المنتقاة المشتهاة، بل الرهان على البساطة في بناء المعنى الشعري، وخلق تواؤم بين الصوريات، بشكل مربك ومدهش، ولا عجب أن يكون الخطاب الشعري بمثل هذه البساطة، (بطابعها الإشكالي)، في نقل الدفق الشعري- الشُّعوري، دون السقوط في الرتابة أو الملل أو تكرار التجربة نفسها، بل هناك انشغال دائم وحثيث بالقصيدة، بالكتابة بشكلها الكوني، بعيداً عن “التّشوُّه” الذي أصاب القصيدة العربية في الوقت الراهن، تحت ذريعة “قصيدة النثر” أو “قصيدة ما بعد قصيدة النثر”. وعماد الدين موسى ماضٍ في مسار البحث عن القصيدة، عن ملاذ آمن، حيث لا وجود لخفر السواحل ولا حرس الحدود، فقط، زروق من ورق يرسمُ مساراً لحياةٍ تمور بالمشاعر والأحلام، وهذا ما يجعل الشاعر في سفر دائم نحو مجاهيل القصيدة، ونحو الرّغبة في التّحرر من قيود المادّة، والانطلاق- بكلّ أناة- نحو شاطئ الأمان.
* كاتب سوري

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة