أحاديث الثلاثاء

سلسلة من المقالات نشرها الكاتب عطا عبد الوهاب في كتاب تحت عنوان “أحاديث الثلاثاء”، وكانت هذه المقالات ثمرة أطروحات لكتاب ومثقفين عراقيين كانوا قد شاركوا في ندوات أقامها المؤلف في داره في عمان منذ أوائل نيسان عام 2009، ونظراً لأهمية الطروحات ارتأينا أن ننشرها في “الصباح الجديد” في سلسلة حلقات بعد الاتفاق مع المؤلف.
لمحات من سياسة البنك المركزي.. لمراقبة التهريب
القسم الثالث
‏راجعت المدير العام للمصرف طالباً سحب رصيد العميل من المصرف. فأنكر المدير العام وجود رصيد له وذكر بأن العميل سجن، لقد طلبت منه اطلاعي على مذكرة السحب، فقال أننا نتلف الأوراق كل عشر سنوات ومذكرة السحب من ضمنها، وهددته بمراجعة البنك المركزي بذلك فلم يهتم. عندما بلغت أحد النواب اللبنانيين والذي لديه نفوذاً أن يتصل بمحافظ البنك المركزي اللبناني بالموضوع . فاتصل به , وفي اليوم التالي سحب الصديق جميع مبلغه من الصرف .
‏هذه بعض الوقائع العملية الخاصة بالأثار السلبية للتهريب وخوف العراقيين من المطالبة بحقوقهم أو إقامة الدعاوي بها .
الآثار الإيجابية للتهريب:
‏ومن العجيب أن تنقلب الأمور بين ليلة وضحاها ويصبح التهريب مطلوبا من الجهات الرسمية وإيقاف العقوبات بحق المهربين وذلك لحاجة البلد لخدماتهم ومنها:
1-عند تأسيسي للبنك التجاري العراقي الأهلي سنة 1992 ‏قرر مجلس إدارة المصرف الاجتماع مع رئيس الوزراء العراقي وكان في حينه السيد محمد حمزة الزبيدي. وفي اليوم المعين زرناه في مقر مجلس الوزراء مع حضور بعض الخبراء الاقتصاديين في المجلس .
‏لقد ذكر لنا رئيس الوزراء بأن قرار مجلس الأمن بالحصار على العراق لفرض تجويعه وركوعة . فقد اتخذنا بعض الإجراءات لملاقاة ذلك . حيث سافرت للمناطق الحدودية في العراق شمالا وجنوباً وشرقاً وغرباً وسمحت للمهربين بالعمل وجلب جميع أنواع البضائع والأطعمة وغيرها عبر الحدود ومن دون أي رقابة أو عقوبات
. 2- ‏أصدرت الحكومة أيضا إجازات استيراد من دون عوض لغرض استيراد بضائع من الخارج من دون تحويل رسمي بالعملة الأجنبية. وإنما يتم التحويل عن طريق المهربين وذلك زمن الحصار على العراق .
3- كذلك في زمن الحصار خفض المبلغ المسموح للعراقي لحمله رسمياً خارج العراق بمبلغ 50 ‏دولارًا كما ذكرنا سابقاً . ومعنى ذلك السماح له بالتهريب بما يحتاجه من العمل الأجنبية .
‏يتبين مما جاء أعلاه أن الحكم الجمهوري بانقلاباته الثلاثة كانت سياسة البنك المركزي العراقي فيما يخص التحويل الخارجي دوماً في انخفاض بما يسمح للعراقي من تحويل إلى خارج العراق . ولم يتناسب ملك ما لدى البنك المركزي من وفورات بالعمل الأجنبي . كما وأن التهريب كان على قدم وساق خلال هذه الفترة وكانت المراقبة والتحقيق والتهذيب والإحكام بين مد وجزر حسب قرارات الحكومة وتنفيذ البنك المركزي والجهات الأمنية كما لاحظنا أعلاه من دون الأخذ بنظر الاعتبار الفروق السياسية والعسكرية والدولية .
‏لقد اعتمدت الدولة العراقية في أثناء الحصار الاقتصادي كليا نحو التهريب وتبدلت جميع السياسات في البنك المركزي من منع التهريب والعقوبة لمن تواطئ على تجنيده من السلطات المختصة لمعيشة العراقيين والاعتماد عليه لسد حاجاتهم ومتطلباتهم. نود أن نعرض لحضراتكم بعض الأمثلة الواقعية لتهريب التحويل الخارجي كما مدون لدى مراقبة التمويل الخارجي في البنك المركزي العراقي والتي نظرت بها محكمة البنك المركزي وقد كنت أحد المساهمين والمدافعين فيها بحكم عملي بالمصرف وكذلك بالمحاماة بعد خروجي من المصرف.
اولاً: عصابة دولية تبتز تاجراً عراقياً:
‏في أوائل الخمسينيات جاء لمصرف الرافدين أحد إخواننا التجار الموصلين وبيده رسالة يرفرف بها ويضحك وهو داخل علي في غرفتي ويقول أخي مهدي جاءتني فرصة العمر أرجو معاونتي. وسلمني الرسالة. ولما قرأتها كان نصها كالاتي .
‏”إنا مؤسسة نمساوية أخذنا عنوانك من غرفة تجارة عمان من أنك من التجار المعروفين في العراق. ونود التعامل معك. ونعرض عليك نوعين من البضاعة الحديد والخشب (مع ذكر الأسعار) وسهولة الدفع” .
‏وكانت الأسعار جداً مشجعة .
‏وعندما سألته هل تعرفة؟ قال لا. ثم سألته هل ترغب أن نسأل عن طريق مرسلنا؟ قال كلا حيث لا وقت لنا خوفاً من فوات الفرصة . وقلت له فكر.
‏بعد يومين وردني كتاب من الإدارة العامة, يطلب مني سرعة فتح الاعتماد برقياً، فقمت بفتح الاعتماد برقياً.
‏بعد يومين أخرين (والظاهر وصلت البرقية للمجهز عن طريق المراسل) زارني التاجر الموصلي وذكر لي بأن المجهز الأجنبي وصل العراق ودعاني لدعوة عشاء وسهرة في داره. فاعتذرت عن ذلك وكذلك اعتذر المدير العام .
‏وفي اليوم التالي للدعوة زارني أيضًا التاجر وأبدى أسفه لعدم حضوري الحفلة. ثم ذكر لي أثناء الحديث أن المجهز الأجنبي استدان منه مبلغا من المال لأنه نسي صكوك المسافرين في النمسا. عندها صحت بأعلى صوتي وأنا واقف بأن فلوسك راحت. قال كيف وهي الظاهر شركة محترمة؟ أجبته لو كانت محترمة لأصل بها تلفونيا وحولت له مبلغا من المال. قال ما العمل؟ قلت: لا نستطيع عمل شيء لأن البرقية يفتح الاعتماد أرسلت قبل ثلاثة أيام .
‏في هذه الاثناء اتصلت بالسيد عبد الكريم القطان مدير بنك التجاري والذي فتح لنفس التاجر لديه اعتماداً مستندياً عن بضاعة أخرى وأخبرته بموضوع الاستقراض وطلبت منه إعلامي عن التاجر النمساوي إذ كان لديه معلومات. فأجابني ليس لدي معلومات وأني اتصلت أطلب ذلك وسوف أعلمك . وفي اليوم التالي أعلمني بأن الجواب غير شافي عن المجهز وأنه ينتقل بين جيكوسلوفاكيا والنمسا . . .
‏وانتظرنا وصول مستندات الشحن ولما وصلت كانت مطابقة لشروط الاعتماد, والمراسل دفع له المبلغ الكبير للبضاعة .
‏لقد سافر التاجر مع أحد المحامين العراقيين لبيروت انتظارا لوصول الباخرة لكن, الباخرة لم تصل وظهرت بأن المستندات المرسلة للمصرف مزورة وفقد التاجر مبلغ الاعتماد الكبير .
‏لقد أخبرت التاجر الموصلي بأنه كان ضحية ابتزاز من الشركة النمساوية بالتعاون مع الكاتب اليهودي الذي يعمل لديه والذي حذرته من قبل سنة . لأنه لا يتجرأ أحد من هذا النوع من الابتزاز إذا لم يوجد من يعاونه في العراق بذلك .
‏وفي السبعينيات اتصل بي التاجر الخاص وذكر لي بأن البنك المركزي أقام الدعوى عليه بوصفه مهربا, وأن البنك يطلبني كشاهد وخبير وفي هذا الوقت كنت خارج المصرف أعمل في مكتبي بالمحاماة فقدمت دفاعي عن التاجر وكانت النتيجة براءته .
‏ثانياً: خلل في الإدارة:
‏تعرفة على شخصين في كلية الحقوق والتي خرجنا منها سنة 1946 – 1947 وأحد هذين الشخصين قد تخرج معنا والثاني ترك كلية الحقوق ولم يتخرج وانصرف لعمله في السوق. لقد رفقهم الله في عملهم واسسوا ثلاثة مصانع واشتروا بعض من القطارات. وفي نحو سنة 1955 ‏وعند غلق بنكو دي روما فقد سحب منهم التسهيلات مما أدى إلى خلل في وضعهم المالي. وقد سافر أحد الشريكين خارج العراق ولم يزل (وكان المسؤول عن تنظيم عمل الشريكين) مما زاد الخلل في عملهم الصناعي والتجاري وادى إلى إفلاسهم في نحو سنة 1960, وقبل إفلاسهم سحبت التسهيلات منهم حيث علمت من قبل سنوات بتدهور أمورهم المالية وهي, قمة أخرى لا محل لذكرها .
‏ وفي السبعينيات أوقف الشريك الثاني الموجود في العراق لدى الجهات الأمنية ولم يستطيع أهله معرفة مركز الشرطة ولا أي شيء عنه. ولكن أهله اتصلوا بي وكنت: حينها محامياً وبعد تشبتاتي علمت بأنه موقوف بالأمن من قبل البنك المركزي : (التمويل الخارجي) .
اتصلت بمسؤول البنك المركزي وعلمت منه بأن البنك المركزي يطالبه بمبلغ اعتماد فتح من قبل التاجر المتوقف في العهد الملكي لجلب معمل. وانه يعدّ مهربا ، وقد دافعت عنه أمام محكمة البنك المركزي بعد ان أثبت لهم بكتاب من الجمارك بأن البضاعة ما تزال موجودة لديهم ولم تستلم لإفلاس الموصى إليه، وقد برأته المحكمة أيضا.
‏هذين مثلين دافعت فيها في محكمة البنك المركزي وبرؤا من جريمة التهريب وعقوبتها .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة