فائق بطّي.. حاضر غائب وغائب حاضر

رحل فائق بطي عن هذه الحياة الفانية الى دار البقاء الخالدة.. لم يحس به كثيرون في حياته. كان بعيداً عن الاضواء، يعمل في الكواليس، ينحت لـ»ذاكرة وطن». عرفت فائق بطي بعد اكثر من عام من ثورة تموز التي اسقطت الملكية واسست للجمهورية.. وكان فائق رحمه الله يرتبط بعلاقات عائلية باصدقاء هم اصدقائي ايضاً عبر الدراسة.. كان في اوائل العشرينيات من عمره، يكبرني بـ 7 سنوات. بعد تموز، سريعاً ما انقسمت قوى «جبهة الاتحاد الوطني»، وهي التي كانت الغطاء السياسي لحركة تموز الى تيارين.. التيار القومي الذي يتشكل من حزب البعث وحزب الاستقلال والقوميين العرب، والاسلاميين ممثلين اساساً بالحزب الاسلامي وحزب التحرير.. ويقف في جانب آخر التيار الذي يضم الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي والحزب الديمقراطي الكردستاني.. هذه كانت الخريطة السياسية انذاك.. فكانت الجامعات والثانويات هي المساحات الابرز للعمل السياسي، حيث يسعى كل من التيارين للتقدم ودفع خصمه الى الوراء، عبر الاحتفالات والاضرابات وتنظيم التظاهرات.. ومع تطور الجمعيات والاتحادات والنقابات صارت هي ايضاً مجالاً للصراع عليها من اجل السيطرة. كان فائق هادىء الطباع، صلباً في مبادئه.. وبرغم خلافاتنا، لكننا ساعدنا بعضنا في لحظات الصراع والتصادم.
كان لكل من هذين التيارين صحفهما.. ونادراً ما كنت ترى شخصاً لا يحمل صحيفة دليلاً على انتمائه وتصويتاً لوجهة نظره.. وفي مجال الصحافة نشط المرحوم فائق.. فهو صحافي بالولادة. والده رفائيل بطي، مؤسس اول دار صحافة في العراق، وصاحب جريدة «البلاد» التي اراد لها ان تكون بمضامين عراقية وابعاد عربية، فجعل شعارها «البلاد في ميدان الجهاد».. فكتب فيها الكثير من اللامعين والبارزين يومها.. مما دفع الاب انستاس الكرملي ان يكتب في مجلته المشهورة (لغة العرب).. «يعرف كتاب العربية الكاتب المقدام رفائيل بطي فقد استحسن في بغداد جريدة سماها البلاد وقد لاقت اقبالاً عظيماً من العراقيين وغيرهم.. حتى يمكن ان يقال عنها انها توافق جميع الاحزاب والمذاهب والاراء والاديان».. انتخب عميداً للصحفيين.. ودخل مجلس النواب مرات عديدة ممثلاً للمسيحيين، واستوزر مرتين كوزير دولة.. والذي قيل عنه كان مسلماً بين المسيحيين ومسيحياً بين المسلمين.
ولعل المرحوم فائق ورث عن ابيه هذه الكفاءات والخصال، فكان سياسياً كوالده وان كان بافكار اخرى.. وكان احد مؤسسي نقابة الصحافيين العراقيين، وترأس تحرير جريدة «البلاد» عام 1959.. ومؤرخ الصحافة العراقية الاول ومن بينها «صحافة الاحزاب» و»الصحافة اليسارية» و»الصحافة العراقية في المنفى» و»موسوعة الصحافة العراقية» و»موسوعة الصحافة الكردية»، و»ذاكرة وطن».
وقف بقوة ضد نظام صدام.. وقد التقينا في بعض مناسبات المعارضة.. وكان كعادته هادئاً، متواضعاً مخلصاً لعمله.. وكانت آخر مرة التقيه فيها قبل سنوات، في معرض الكتاب في اربيل حيث اتخذها مستقراً له.. اتفقنا ان نلتقي في بغداد.. لكنه وعد لم يتحقق وللاسف.
رحم الله الفقيد الغالي فائق بطي.. وتعازينا لاسرة «المدى» لخسارتها هذه، وقبلها للاسرة الصحفية وللشعب العراقي.. وها نحن نشهد رحيل شخصية بارزة اعطت لوطنها بكل تفان واخلاص.. فنحن في العراق –وللاسف- نكره ان نكرم كرامنا في حياتهم، فهل نكرمهم بعد مماتهم.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة