فاطمة ناعوت ومطاوعة السيسي

بعد ان استردت المحاكم المصرية سيرتها الاولى، عادت لمزاولة هواياتها في اقتفاء أثر المارقين عن ثوابت الامة، وما الحكم الاخير الذي اصدرته بحق الشاعرة والمترجمة الدكتورة فاطمة ناعوت بالسجن ثلاث سنوات، عقاباً لها على تغريدتها حول المجازر الجماعية التي تتعرض لها قطعان الخراف في موسم الحج، الا مثال صارخ على الحالة المزرية والمثيرة للشفقة التي انحدرت اليها هذه السلطة المحورية في تطور الامم أو انحطاطها. مصر (ام الدنيا) صاحبة المؤسسات العريقة والرائدة في الاطلاع على الثورات العلمية والقيمية التي شهدها العالم، منذ وصول الحاج نابليون اليها قبل أكثر من قرنين، تعيش اليوم تحت رحمة العقائد والقوافل الغابرة القادمة من نجد وقندهار وآخر الابتكارات في الذود عن حدود الله..!
مثل هذه الاحكام المهينة والمخجلة تأتي في توقيتها لتحمي وتدافع عن احكام مماثلة ادمنت عليها المحاكم السعودية؛ في مواجهة حملات التضامن الاممي والدولي مع المعتقلين بجريمة استعمالهم لعقولهم وضمائرهم، مثل المدون السعودي رائف بدوي ورفاقه. مثل هذه الاحكام الجائرة تطيح بالمساحيق الغليظة لنظام العسكر وتكشف عن هويته وغاياته المتناغمة والمقاصد النهائية لجماعة الاخوان والمتجحفلين معها بعشق “الحاكمية” والابتكارات المنحدرة لمضاربنا من ولاية الباكستان وكهوف تورا بورا الشقيقة.
مثل هذه الاحداث والوقائع تجبرنا جميعاً على اعادة النظر بكل ما جرى منذ بدء الاحتجاجات الشعبية عام 2011 والاطاحة بنظام العسكر لصالح جماعة الاخوان ومن ثم تجدد الاحتجاجات التي اطاحت بالرئيس الاخواني مرسي، لتمهد الطريق امام الجنرال السيسي ووعوده بالاصلاح السياسي والديني، والذي انجلى سريعاً عن سيرة لا تنفصم عما حصل لمصر مع العسكر منذ عام 1952 الى يومنا هذا. لقد برهن عبد الفتاح السيسي عن مواهب لا مثيل لها منذ اللحظة التي سيطر فيها على حب وثقة صنيعة المرشد في القصر الرئاسي والذي ترجم مشاعره تلك بترقيته وتكليفه بقيادة وزارة الدفاع بديلاً عن وزير الدفاع المزمن المشير طنطاوي، ثم اطاحته بمرسي ووضعه خلف القضبان هو ,وبقية صقور الجماعة. هذه المحطات والتداول الذي جرى بين العسكر والاخوان للسلطة والنفوذ، يؤكد الشكوك حول حقيقة ما جرى (لا ثورة ولا اصلاحات ولاهم يحزنون) وان السيسي ورفاقه وعموم قضاته مسكونون اكثر بالدفاع عن “حدود الله” ومملكة العسكر.
ان الحكم ضد فاطمة ناعوت وقبله ضد اسلام بحيري، يمثل امتداداً لذلك النهج الذي اصدر احكاماً مخزية ضد العالم الجليل نصر حامد ابو زيد والذي اضطرته مفارز المحتسبين والنسخة المصرية لـ (المطاوعة) للعيش والرحيل بعيداَ عن وطنه المنكوب بشرائع مدن الملح والعجاج، وغير ذلك من الفزعات والاحكام التي مهدت لظهور المحاكم الشرعية لداعش ومن لف لفها من خرط قتاد تلك الموروثات والهلوسات التي جعلت من المنتسبين لنادي “خير أمة” أكثر الامم اغتراباً عن هذه الدنيا الفانية. غير القليل منا نسج في مخيلته أدواراً تليق بـ (ام الدنيا) بوصفها الرائدة في التطفل على ممالك “البوكو” الحداثة، لكنها ومع مثل هذا الخنوع لعطايا البترودولار، قد خيبت ظننا بها بعد أن ارتضت لنفسها؛ وظيفة اعادة تدوير أكثر العقائد ضحالة وعدوانية في تاريخ المنطقة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة