الحرب الباردة ثانية.. على رقعة شطرنج

pawn sacrifice
د. رياض عصمت

يبدو أن الحرب الباردة لم تنتهِ في السينما. كل بضعة أعوام، يظهر فيلم جديد يُحيي ذكريات الصراع في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين بين الرأسمالية الأميركية التي كانت تلقّب نفسها «العالم الحُرّ»، وبين الاتحاد السوفياتي الذي كان يسعى إلى تصدير الشيوعية إلى العالم تحت شعار «الأممية». في الواقع، لم يكن الاهتمام بتلك الحرب الباردة غريباً عن هوليوود في أية حقبة، فمن شون كونري في (من روسيا مع حبي) (1963) إلى بيرس بروسنان في (العين الذهبية) (1995)، ومن (روكي 4( (1985) إلى (رامبو 3( (1988) لسلفستر ستالون، ومن آرنولد شوارزنيغر في (الحر الأحمر( (1988) إلى بروس ويليس في (يوم مناسب لموت قاسٍ( (2013)، وصولاً إلى (جاك رايان: عميل الظل( (2014) و(رجل من أنكل( (2015)، أنتجت وتنتج عشرات الأفلام لتحيي ذكريات الحرب الباردة. هذه المرّة، فيلم (التضحية ببيدق(لا يدور بين محاربين يتقاتلون، ولا بين جواسيس يتنافسون، ولا بين ملاكمين يتبارون، بل مسرحه حلبة رياضة أخرى، ألا وهي رياضة الشطرنج.
إنها قصة بطل الشطرنج الأميركي بوبي فيشر، الذي انتزع بطولة العالم من البطل السوفياتي بوريس سباسكي عام 1972 في آيسلنده بعد مواجهة حبست أنفاس الملايين. تصدّى لإخراج فيلم (التضحية ببيدق( مخرج مخضرم هو إدوارد زويك، سبق أن أخرج 25 فيلماً أشهرها (أساطير الخريف(، (مجد( و(الساموراي الأخير( .هذه المرّة، ينتقل زويك البارع في إخراج المشاهد الحربية إلى اقتحام ميدان معركة من طراز مختلف وهادئ، لكنه استطاع أن يجعله يحفل بالإثارة والتشويق، وهو ميدان المباراة التي أُسميت (أعظم مباراة شطرنج في التاريخ(. ظَلّتْ قصة ستيفن نايت قابعة في الأدراج زمناً طويلاً، إلى أن تعاون مع الكاتبين ستيفن ج. ريفيل وكريستوفر ويلكنسون على تطويرها لتصبح مادة خصبة لفيلم ناجح، من المتوقّع أن يُرشّح للأوسكار. لَعلّ عشاق السينما يذكرون الفيلم التسجيلي (بوبي فيشر في مواجهة العالم( (2011)، فالتسجيلية جديرة بالتذكُّر مع الفيلم الروائي (التضحية ببيدق( (2014)، لأنه يعتمد اعتماداً هائلاً على إضفاء طابع تسجيلي دقيق على أحداثه وشخصياته إلى حَدٍّ بعيد.
يبدأ الفيلم من طفولة بوبي فيشر، الابن الأصغر لامرأة يهودية روسية مُطلّقة تعيش في بروكلين في نيويورك، تتبنى الأفكار الشيوعية، وتعيش حياة حُرّة مع ابنتها وابنها في جو من القلق من المخابرات التي كانت ترصد تحركات الشيوعيين. يُبدي بوبي فيشر الطفل موهبةً مبكرةً في لعب الشطرنج، ويكبر ليمارس اللعبة بشغف ليلاً ونهاراً، بحيث يهزم وهو في الثالثة عشرة من عمره كثيراً من الكبار الذين يفوقونه سناً وخبرة. لكنه يُعاني منذ طفولته البائسة غرابة في الأطوار وحساسية مفرطة إزاء الضجيج الذي يحرمه من التركيز الذهني، كما يضمر نفوراً من الحياة البوهيمية التي تحياها أمه، ومن خلفيتها الثقافية الروسية وهوسها بالشيوعيين واليهود معاً. لا يلبث أن يتعهد محامٍ طموح بوبي فيشر عندما يبلغ سن الشباب، ويجلب له قسيساً كمدرب شطرنج ليرافقه ويدربه حتى يصبح بطل الولايات المتحدة. ما يلبث الاثنان أن يشجعاه على خوض التحدّيّات الدولية بعد المحلية، ويواسياه لدى هزيمته أول مَرّة أمام بطل العالم السوفياتي بوريس سباسكي. يكره فيشر الهزيمة منذ طفولته، ويصبح الفوز على سباسكي حلمه، بل كابوسه المؤرِّق. لكن غرابة أطواره تزداد لتشكّل عبئاً نفسياً يثقل كاهله ويعرقل مسيرته في الوقت الذي تتعاظم فيه شهرته لتصبح مثل شهرة مطربي الروك ونجوم الرياضة الكبار. لا يُصوّر الفيلم بوبي فيشر كشخصية مثالية على الإطلاق، بل يُسلّط الضوء على نقاط ضعفه وهفواته، ويصوّره برهافة في لحظات هزيمته. إنه يشكو من سوء إقامته في فندق متواضع، ومن عدم تمتعه بليموزين مثل غريمه السوفياتي، ويعاني رهاباً (بارانويا) من تعرُّضه للتنصت والمراقبة، ولا يجد العزاء إلّا بين أحضان ابنة ليل تتعرّف إليه بالمصادفة، ولا يتواصل إلّا مع أخته الكبرى بالهاتف فقط بينما يقاطع أمه مقاطعة تامة. ربما أثبتت بعض وساوس بوبي فيشر صحتها، فمدير أعماله المحامي على اتصال بجهات أميركية مسؤولة غامضة، لكنه يتوتر من احتمال تعرُّضه للمراقبة والتنصت من «إف. بي. آي.» أو «كي. جي. بي.» معاً، دون عثوره على دليل ملموس. يتصاعد الفيلم إلى ذروته مع المواجهة العالمية في آيسلنده مع بطل العالم بوريس سباسكي، وهي المواجهة التي حضّرنا لها كُتّاب السيناريو والمخرج طويلاً مع موجات انفعال دراماتيكي عنيفة من نجم الفيلم توبي ماغواير تجاه خصمه الواثق من نفسه، والمحاط بأبهة وحراسة، بينما يعاني فيشر من الحرمان والإهمال. يخسر فيشر أول مباراتين من خمس مباريات، إذ يغيب عن الثانية نتيجة فرط حساسيته من الأصوات، ومحاولته فرض شروط قاسية على المنظمين تبعد الجمهور وتزيل الكاميرات كي يتمكّن من التركيز التام دون إزعاج الأصوات. يكاد ذلك يحرمه من البطولة، لكن البطل السوفياتي سباسكي يجد فوزه سخيفاً إذا تَمّ بتلك الصورة، فيوافق على الالتزام بشروط فيشر كاملة. تنتهي المواجهة بينهما بالتعادل، ويصبح الحسم عبر مباراة سادسة نهائية. في تلك المباراة، ينقلب الحال فيتوتر سباسكي في حين يحافظ فيشر على هدوء أعصابه. أمام دهشة مرافقيه المحامي والقسيس، وذعر مرافقي البطل السوفياتي الكبير، وانجذاب الجمهور في القاعة وعبر شاشات التليفزيون، يلعب فيشر بطريقة غريبة لم يعرفها التاريخ من قبل، ويتمكّن من هزيمة خصمه ليفوز ببطولة العالم كأول بطل شطرنج أميركي في التاريخ. إنها مباراة لا تقل إثارة- رغم هدوئها- عن مباراة روكي في حلبة الملاكمة مع بطل الاتحاد السوفياتي. يمضي الفيلم في دقائقه الأخيرة ليروي مع جمل مطبوعة ولقطات تسجيلية تطوّر اضطراب فيشر العقلي وتعرّضه للسجن، ثم خوضه مباراة شطرنج هزم فيها سباسكي للمرّة الثانية في يوغسلافيا رغم المقاطعة الأميركية لها آنذاك، مما عرّضه إلى عقوبات انتهت بهجرته نهائياً عن الولايات المتحدة إلى هنغاريا، ألمانيا، الفلبين وآيسلنده ليقضي في الأخيرة البقية الباقية من عمره إلى أن تُوفي ودفن هناك في العام 2008.
لا شك أن توبي ماغواير المُقلّ في أدواره، (والذي عرفه الجمهور في شخصية (سبايدرمان) ودوره البارز في (غاتسبي العظيم)، أجاد تجسيد شخصية بوبي فيشر بالرغم من بلوغه الأربعين من العمر، ذلك لأن وجهه الطفولي يوحي بالشباب، بينما أضفى أداؤه إقناعاً على شخصية عبقري الشطرنج المثقل بمشاكل نفسية متراكمة. لكن مشكلة الفيلم الأساسية تكمن في تجنب كُتّابه ومخرجه الخوض عميقاً في أسباب اضطراب فيشر نفسياً، وتحري السرد الواقعي البسيط للظاهر من سلوكه الخارجي فحسب. ربما وجد صُنّاع الفيلم أن ذلك سيحرم المشاهد من الإثارة المرجوة في مواجهة عبقري الشطرنج الأميركي ذي الخلفية الاجتماعية المتواضعة لرمز الإمبرطورية السوفياتية العظمى في ذلك الزمان. أجاد الممثل ليف شريدر في تقمُّص شخصية بطل الشطرنج الروسي بشكل رائع، وكذلك نجح بيتر سارسغارد في تقمُّص دور القسيس مدرب فيشر، ومايكل ستهلبرغ في دور المحامي الانتهازي والمخلّص في آن معاً. يُعزى الفضل في نجاح فيلم (التضحية ببيدق) إلى تضافر إخراج إدوارد زويك مع تصوير برادفورد يونغ، مونتاج ستيفن روزنبلوم، وموسيقى جيمس نيوتن هوارد، في مزيج من الطابع التسجيلي والفن الروائي ليدخل الفيلم تاريخ السينما بجدارة في حسن تجسيده لسيرة عبقري مضطرب المشاعر والعقل، انتهى غريباً في المنفى، ودُفِنَ في بلاد ليست بلاده بعد أن جلب لها مجداً غير مسبوق.

* كاتب مصري

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة