الأخبار العاجلة

ماكو مسؤول

حتى المجتمعات البدائية تصطفي شيوخها وزعماءها طبقاً لمؤهلات وخصائص تساعدهم على النهوض بأعباء المسؤولية المفترض النهوض باعبائها خدمة للجماعة أو القبيلة أو ما يعرف اليوم بـ (خدمة الشأن العام). مثل هذا الاصطفاء الطبيعي هو نتاج الفطرة السليمة للجماعات والافراد، وهي جزء من موروث بشري تمارسه سلالات بني آدم في حماية حقوقها ومكتسباتها، كما يتم صقله وتعميده من دون انقطاع بنهر الحياة ودفقاته المتواصلة. مثل هذا الارث الذي لم تتخلَ عنه آخر القوافل البدائية في الادغال الافريقية، فرط به سكان أقدم المستوطنات، عندما سمحوا لـ (أوباش الريف وحثالات المدن) من التسلل الى صدارة المسؤوليات العليا في البلد بعد اغتيال حلم الجمهورية الاولى في بناء دولة تليق بهذا الوطن الذي دارت على تضاريسه أول عجلة صنعها البشر. بعد ذلك التاريخ الاسود (8 شباط عام 1963) واغتيال خيرة بنات وابناء العراق واعتقال واهانة اشرف ما انجبته هذه الارض، شرعت الابواب أمام قوافل النكرات معرفياً وقيمياً كي تمتطي سنام المناصب الخطيرة في المجتمع والدولة، وما اربعة عقود من الحكم المطلق لصدام وجلاوزته الا مثال سافر على مثل تلك الانتهاكات الفظيعة لطبيعة البشر وفطرتهم وحكمتهم المجربة.
هذه التجربة الطويلة والمريرة تركت آثاراً وتقاليدً لا يمكن ان تمحى بيسر، وهذا ما نضح عن عقد ونيف من تجربة (التغيير) عندما تم تبادل المواقع بين جيلين من النكرات، رحل “الرفاق” ليتلقف “مهاجرو وانصار” ما بعد الحداثة للامانة التاريخية وثوابت الرسالة الخالدة. مسؤولون جدد يطلقون التصريحات حول امور واحداث لا يفقهون ابجدياتها من دون ذرة من وجع عقل أو ضمير، لا شيء يهمهم غير رضا “اولي الامر” والجهات التي منحتهم مثل هذه الفرص. ومن يتتبع طفح التصريحات ونوع التحليلات الضحلة لغير القليل من هؤلاء “المسؤولين” المولعين بحشر انفسهم لا في القضايا التي تخص الشأن العام وحسب بل يدسون انوفهم ومجساتهم الى تفاصيل حياة عيال الله الحميمية ايضاً؛ يدرك حجم البلاء الذي نواجهه مع مثل هذه القسمة العاثرة. أقدار غير منصفة جعلت من مقاليد أمور المجتمع والدولة نهباً لأكثر المخلوقات تجسيداً للعبارة المعروفة (نكرات من الناحية النظرية ولا فائدة ترجى منهم من الناحية العملية).
كارثة لا مثيل لها مع هذا الكم الهائل من المتنطعين للمناصب الحيوية في الدولة والمؤسسات المتجحفلة معها بأسلاب وعناوين ودرجات خاصة وأرتال من مواكب الحمايات الشخصية وامتيازات، مقابل خراب لا مثيل له على جميع الجبهات المادية والمعنوية. تجربة ما بعد الفتح الديمقراطي المبين وبعد سلسلة من الجولات الانتخابية، رسمت على تضاريس خيباتنا المتجددة حقيقة (ماكو مسؤول) بين كل هذه الحشود المتدافعة لـ (المسؤولين).. كل هذا يعود الى المعادلة السائدة التي تعيد تدوير سكراب “الأصدق انباءاً” من السيوف ورباط الخيل والعبوات وكواتم الصوت وغير ذلك من الادوات والمنظومات المتواطئة مع هذه القوافل من قراصنة المنعطفات التاريخية. معادلة الضيم التاريخي هذه، هي من تقف خلف كل هذا الانتاج الواسع من القوارض البشرية، المولعة بغنائم “المسؤول” وأنواطه..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة