عراق السبهان

سلام مكي

تصريحات مسؤولة، في بلد مقسم! هذه رؤية احد مراكز البحوث العربية لتصريحات السفير السعودي الاخيرة. التصريحات التي استفزت القوى الشيعية وافرحت القوى السنية، اثبتت مرة اخرى ان مفهوم الوطنية والانتماء الى الوطن مغيب تماماً عن قاموس الكتل السياسية، فكل كتلة تناولت التصريحات وفسرتها لمصلحة طائفتها ومذهبها بعيداً عن الوطن ومصلحته. فهناك من يرى ان السفير السعودي الذي قال: ان السنة يعتبون على المملكة لأنها تخلت عنهم وان السنة والاكراد يرفضون دخول الحشد الشعبي الى مناطقهم لعدم ثقتهم به. هذه التصريحات عدتها القوى السنية طبيعية ولا غبار عليها وانها تعبر عن الموقف الرسمي لها، حتى ان احد نواب تحالف القوى الوطنية قال انه يؤمن بالافكار نفسها التي يؤمن بها السفير السعودي! وهو يراها صحيحة جدا. وانها لا تمس الامن الداخلي ولا تعد تدخلا في الشؤون الداخلية للبلد. واستنكروا فيما بعد الموقف الذي اتخذته الخارجية العراقية عندما قامت باستدعاء السفير السعودي لابلاغه احتجاجها على تصريحاته وسلوكه. في الوقت الذي لم يصدر من السعودية أي رد فعل ولم تتناول وسائل الاعلام السعودية أي اجراءات متخذة من قبل حكومتها وعدت ان الموضوع شيء لم يكن. بل اتهمت بعض الاطراف السنية الجانب الآخر بأنه لا يريد سفارة سعودية في العراق بل يريد ايران فقط هي التي تملك سفارة في بغداد، على الرغم من ان الحكومات السابقة والحكومة الحالية برئيس وزرائها ووزير خارجيتها بذلوا جهوداً كبيرة في سبيل موافقة السعودية على فتح سفارتها في بغداد، وتحملت الكثير من الضغوط الداخلية والشعبية على مواقفها، رغبة منها في استدعاء التمثيل الدبلوماسي العربي الغائب منذ عقود. فهي تتهم مرة بأنها طائفية تابعة لإيران ومرة تتهم بانها تركض خلف الممالك الخليجية في سبيل استجداء المواقف منها.
بالمقابل، نجد ردود الفعل العنيفة من قبل الجانب الآخر الذي طالب بعض النواب بطرد السفير السعودي واقامة دعوى قضائية ضده بتهمة الاساءة الى الحشد الشعبي الذي قدم تضحيات كبيرة في سبيل طرد داعش من المناطق السنية وانه تدخل في الشأن الداخلي العراقي. ومازالت التصريحات تتوالى من قبل الاطراف السياسية، بين مؤيد ومعارض للتصريحات، وفقاً للانتماءات الضيقة ولا وجود لشيء اسمه الوطن. فلم يصرح احد ولم يعط رأياً يتناسب ومصلحة الوطن العليا، لم يدرس احد تصريحات السفير ثم يصرح وفقا لأسس علمية وعملية، الكل صرح بناءً على مصلحة الطائفة والمذهب. المشكلة ان السعودية ترى نفسها متفضلة على العراق ان بعثت سفيرها الى بغداد وبعد وعود منها للعراق، والسفير يرى ان وجوده في العراق جزء من افضال مملكته على العراق، وحكومتنا ترى ان السفير السعودي لا يمكن المساس به، كونه جاء بعد معاناة وطول انتظار، فأي موقف ضده قد يجعله يزعل علينا ويذهب من حيث اتى! وربما تكون تصريحات السفير فرصة مناسبة للحديث عن الدور الذي تقوم به السعودية وطريقة فتح سفارتها في بغداد. السعودية التي تصرخ منابر مساجدها ليلاً ونهاراً بهلاك الشيعة ونصر المجاهدين في العراق وسوريا، والمتهمة بأنها تمول الارهاب وتدعم فصائله المسلحة وربما يعد تصريح السفير بأن مملكته تدعم مكوناً من دون آخر هو بحد ذاته ادانة له وللمكون الذي تدعمه. السنة العرب يريدون موقفاً متوازناً، أي وجود سفارة سعودية مقابل سفارة ايران، برغم ان ايران فتحت سفارتها منذ وقت طويل، من دون عناء ولا وعود في حين السعودية لم تفتح سفارتها الا قبل ايام. هناك وسائل اعلام قارنت بين هذه التصريحات وتصريحات سابقة لمسؤول ايراني قال ان بغداد جزء من امبراطورية فارسية. مما ثارت الكثير من القوى السنية والشيعية ضده برغم تبرؤ القيادة الايرانية من تلك التصريحات ومعاقبة قائلها. اليوم مجرد استدعاء السفير للسفارة قوبل باستنكار ورفض من قبل تحالف القوى واعلانهم التأييد المطلق للسفير الذي جاء بجهود شيعية خالصة!
الانقسام حول تصريحات السفير السعودي ليست مهمة، لأنها غالباً ما تحدث، المهم هو الدراسة المنشورة في احد مراكز البحوث العربية التي وصفت البلد بأنه مقسم، وان تصريحات السفير مسؤولة! ولا نعلم المعايير التي وضعتها في اعتبار التصريحات مسؤولة وان البلد مقسم. الخليجيون يرون ان العراق مقسم، وربما لا وجود له سوى بالورق. هذه مشكلة كبيرة ينبغي ان يلتفت لها السياسيون بدلا من التأييد المطلق للسفير، ان كانوا حريصين فعلا على العراق.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة