الأخبار العاجلة

اللمبي في قريش..!!

حسن خضر

لا فرق، من حيث الممارسة النقدية، بين نص أدبي جيد ونص آخر رديء. وهذا يصدق على شتى الفنون. وربما يُسهم النص، أو الفن الرديء، في إضاءة ما نجح النص الجيد، أو الفن الرفيع، نتيجة الحرفية العالية، في حجبه. هذا المدخل ضروري للكلام عن مسلسل يُعرض بتسميات مختلفة (اللمبي في قريش، أو الجاهلية) على اليوتيوب، وربما سبق عرضه في محطة ما. يحتاج التحقق من الأمر الاستعانة بمحرّك غوغل، وانفاق دقائق قليلة على الإنترنت. وهذا غير ضروري، على أي حال.
يقوم بدور الفاعل الرئيس في المسلسل المذكور الكوميدي المصري محمد سعد، الذي تقمّص شخصية تدعى «اللمبي»، وجسّدها في سلسلة أفلام متلاحقة، يصعب تصنيفها، حتى بقدر كبير من الأريحية، خارج حدود الفن الهابط. لهذا النوع من الفن جمهوره العريض، وغالباً ما يُستشهد به للتدليل على ما أصاب الفن، والثقافة عموماً، في مصر والعالم العربي، من انحطاط.
لا بأس. ولكن، كما ذكرنا، لا فرق بين الجيد والرديء، بقدر ما يتعلّق الأمر بالممارسة النقدية. والواقع أن ظاهرة «اللمبي» لا يمكن فهمها خارج حالة التدهور، التي أصابت مصر على مدار ثلاثة عقود مضت، وكانت ثورة يناير، التي تمر ذكراها هذه الأيام، ثورة عليها. أهم ما يُميّز «اللمبي» تمثيل طبقة شعبية دنيا، بلا مصدر واضح للدخل، أو مهنة محددة. وهؤلاء هم الحرافيش بلغة نجيب محفوظ، أو (luftmensch) كما يقول الألمان. وهذا التمثيل يضع الشخصية نفسها على طرف نقيض من شخصية عرفتها السينما المصرية في عقود سبقت، وبرع في تشخيصها الكوميدي عادل إمام.
كلاهما يمثل ابن البلد، الذي تحوّل إلى مكوّن رئيس في الهوية الوطنية للمصريين، منذ أواخر القرن التاسع عشر، وحضر بقوّة في الزمن الناصري، وترافق حضوره على مدار الفترة المذكورة مع موجات الهجرة من الريف إلى المدينة، ومع ازدياد حجم ونفوذ الطبقة الوسطى المصرية، وانخراطها في الكفاح الوطني. وكان في هذا ما يمثل انقلاباً كاملاً على صورة نمطية تقليدية، وسلبية تماماً، استقرت على مدار قرون.
والمهم، في الأمر، أن شخصية ابن البلد، الصاعدة مع صعود الزمن الناصري، والتي جسّدها عادل إمام لا تمتاز بخفة الدم (وهي طبع مصري أصيل) وحسب، ولكنها تنطوي على ذكاء فطري، وطيبة القلب، أيضاً، ولا تنجو من مكر الفلاّحين، الذي عومل في سياق توليف الهوية الوطنية بطريقة إيجابية. ثمة تجليات هزلية كثيرة لتلك الشخصية، ولكن سمتها الرئيسة، (قبل عبور مصر من زمن السادات، الذي كان انتقالياً، إلى الزمن المباركي الطويل) كانت التفاؤل، والثقة بالغد، وتمجيد الفهلوة بوصفها سلاح الفقير.
ورث «اللمبي» كل خصائص ابن البلد القديم، ولكن الزمن المباركي، الذي وُلد فيه، لم يكن معنياً بتوفير ما يبرر التفاؤل، والثقة بالغد، وحتى الفهلوة، وهي من استراتيجيات البقاء، وجدت نفسها مثقلة بأحمال كثيرة تحول دون التحرر من شبهة العبث. وفي خلفية هذا كله كانت هجرة الريف في تزايد، والمدينة تختنق، والطبقة الوسطى أصبحت معرضة لفقدان مكانتها ووظيفتها الاجتماعية، ولم تعد لابن البلد، وقيمه المُحتفى بها، المكانة السابقة في تعديلات لاحقة للهوية.
على خلفية هذا كله نفهم فشل «اللمبي» في الكلام. وهذه سمته الرئيسة. فهو لا يتكلّم كبقية الناس، ويبدو للوهلة الأولى على قدر كبير من البلاهة، ومؤهلاته الثقافية والاجتماعية معدومة، وقيمه الأخلاقية مرنة، في أفضل الأحوال. وإذا كان في هذا كله ما يمثل ترجمة للزمن المباركي الطويل، فإن فيه ما يترجم، أيضاً، عزلة وهامشية الملايين في مدن قاسية القلب انفصل فيها الكلام عن معانيه. غربة اللسان تهميش مُضاعف، والبكم صراخ بلغة مختلفة.
ولكن، لماذا كل هذا الكلام عن «اللمبي»؟
الكوميديا، بصرف النظر عن هبوطها أو رفعتها، سلاح مُقاوم، وعامل تخريب دائم للمتجهم، والرصين، والمُفتعل، ولكل ما زاد عن حده فانقلب إلى ضده. لا وجود لتراجيديا إغريقية كاملة بلا كوميديا سوداء.
وبهذا نوجه أنظارنا وجهة أخرى، فعلى مدار أسبوع مضى، تناقلت منابر كثيرة، حتى الإندبندنت البريطانية، قول مفتي السعودية إن الشطرنج مكروه في الإسلام. وفي سياق البحث ظهرت فتوى، منسوبة للشخص نفسه، مفادها جواز أن يأكل الرجل زوجته إذا تهدده خطر الموت جوعاً، وانشغل كثيرون بترويج هذا الكلام، أو محاولة نفيه، وفي السياق نفسه، عثرتُ على فتوى لسعودي آخر يحذّر النساء من الجلوس على الكراسي، خوفاً من استغلالهن جنسياً من جانب الجن، ناهيك طبعاً عن قوله إن الأقدمين لم يعرفوا الكراسي.
بصراحة: زاد الأمر عن حده. فلنقل إن أشياءً من نوع كراهية الشطرنج، وأكل الزوجات، وكمائن مراهقي الجن تحت الكراسي، تدخل بالمعنى الأيديولوجي في باب التدعيش والدعشنة، وأن فيها بقدر ما تبدو متجهمة، ورصينة، وغير مُفتعلة، كل عناصر الكوميديا السوداء. العناصر التي استدعتها مغامرة «اللمبي» في قريش، والتي تمثل، في جانب منها، نقداً للمسلسلات التاريخية الرمضانية، المُفتعلة، التي هيمنت على تلفزيونات العرب، وشوّهت علاقتهم بالماضي والحاضر، على مدار ثلاثة عقود مضت، وفي جانب آخر، محاولة غير مسبوقة لتحرير التاريخ من الكذب، والتجهّم، والرصانة، والافتعال.
يمكن مقاومة التدعيش والدعشنة بالضحك، واستدعاء الكوميديا السوداء، فهي سلاح مُقاوم. وزيارة «اللمبي»، ابن البلد، الهامشي والمُهمّش، إلى جاهلية قريش، وإن كانت من فصيلة الفن الهابط، تقول كلاماً أكثر فصاحة من الفن الرفيع، حتى وإن أعيت صاحبها مخارج الألفاظ، وأعوزته خفة الدم، واستحكمت به غواية العبث.

* ينشر بالاتفاق مع صحيفة الأيام الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة