الترجمة الآليّة هل تنشئ لسانيات جديدة؟

أحمد طاهر

في خضمّ التفاعل والتواصل بين المناطق المختلفة وشعوبها، لعبت الترجمة- بصفة عامة، والترجمة الآلية على وجه الخصوص- الدور الأكثر فعّالية في هذا التقارب، فخدمات الترجمة الآلية وفَّرت الكثير من العناء وساعدت في ترجمة الكلمات والفقرات الكاملة، و أيضاً، الملفّات وصفحات الإنترنت، من أية لغة وإلى أية لغة. ولكن الترجمة الآلية، رغم مزاياها المتعدِّدة، حملت جوانب أكثر خطورة، خاصّة فيما يتعلَّق باللسانيات المختلفة، وذلك حينما تضع ترجمات لمصطلحات وكلمات لا تعبِّر عن مضمونها الصحيح في السياق المستخدَم.
من غير الدخول في تفاصيل كثيرة حول تعريف الترجمة الآليّة وأشكالها، وكذلك من غير دخول في استعراض طويل للمزايا التي يتمتع بها هذا النوع من الترجمة والتي كثر الحديث عنها، حتى أصبحت معظم المقالات والتحليلات تشير إلى هذا المزايا والفوائد التي يجنيها العالم بأسره من انتشار وتوسُّع هذا النوع من الترجمة، يمكن التأكيد على أن من أبرز هذه المزايا أنها عملية تتَّسم بالسرعة وبانخفاض التكلفة مقارنة بالترجمة العادية التي يقوم بها المترجمون، بل يمكن القول إنها أضحت عاملاً مساعداً للمترجم البشري، حيث تعطيه الترجمة الآلية- رغم عدم دقَّتها غالباً- فكرة كلّيّة عن محتوى النصّ، بما يساعده على إنجاز عمله في ضوء حجم الإنتاج المعرفي الذي يشهده عالم اليوم من دراسات وتحليلات وكتب وتقارير ونشرات وصحف تحتاج إلى الاطِّلاع عليها في ظلّ تنوُّع اللغات وتعدُّدها. فضلاً عن ذلك، تتَّسم الترجمة الآلية بأهمّيّة أخرى تتمثّل في سهولة القيام بها، فلا تحتاج إلى أي تدخُّل، حيث لا يوجد أي حاجز لغوي.
ولكن، على الجانب الآخر، يؤخذ على الترجمة الآلية الكثير من السلبيات، من أبرزها التأثير سلباً على مهنة الترجمة والأعمال المساعدة المتعلِّقة بها، مثل صناعة المعاجم، والنشر، وغيرهما، حيث يتراجع دورها أمام التوسُّع في مجال الترجمة الآليّة، كما أن توفير الوقت الذي يعدّه البعض من مزايا الترجمة الآلية أمر غير صحيح في مجمله، فالأخطاء النحوية والصرفية إضافة إلى الركاكة في المحتوى واحتوائه- في كثير من الأحيان- على تعابير مبهمة ومغالطات، يحتاج كل هذا إلى وقت طويل للتعديل والتصحيح، وهو ما لا يقارَن بالوقت الذي يمكن أن تتّخذه الترجمة البشرية التي تتقن مثل هذه المفاهيم والمصطلحات.
وغنيّ عن القول أن هذه السلبيات عن الترجمة الآلية والتي تحدَّث عنها الكثيرون لا تُقاس بحجم الأخطاء والمخاطر التي قد تترتَّب على هذا النوع من الترجمة والتي غفل الكثيرون في حديثهم عنها، ومن أبرزها:
– سيطرة لغة واحدة على عملية الترجمة؛ بحيث تكون هي اللغة المركزية بالنسبة للُّغات الأخرى، فعلى سبيل المثال: تلعب اللغة الإنجليزية دور المركز بالنسبة إلى اللغات الأوروبية، وهو ما من شأنه أن تكون هناك على المستوى العالمي شبكة من سلسلات الترجمة مُؤسّسة في مرجعيّتها على عدّة اصطلاحات وسيطة، حيث تعتمد الترجمة الآلية على الوساطة الحسابية أو ما يطلق عليه البعض «الخوارزمية» التي تتعلَّم من الأنماط والتكرارات التي يتمّ فيها ترجمة العبارات إلى لغات أخرى على الإنترنت. ولا شكّ في أن وجود هذه اللغة التي تلعب دور المركز، أو ما يطلق عليه في ترجمة (جوجل) منهج «التجسير» أي استخدام اللغة الإنجليزية كجسر بين اللغة العربية على سبيل المثال واللغات الأخرى، كالترجمة من الألمانية أو الفرنسية إلى العربية أو العكس، حيث تقوم ترجمة جوجل بترجمة النصّ- أولاً- إلى اللغة الإنجليزية ثم منها إلى العربية، قد يسبِّب أخطاء إضافية، فلكلّ لغة منظومتها النحوية التي قد تختلف عن اللغة الأخرى، بل- ربّما- عن اللغة الوسيطة ذاتها، فعلى سبيل المثال: اللغة العربية تستخدم التذكير والتأنيث للجمع، في حين أن اللغة الإنجليزية ليس فيها ذلك. بل الأكثر من ذلك عندما تتفاقم هذه المشكلة إذا ما نظرنا إلى الكلمات التي تحتمل أكثر من معنى، حيث يترتّب على عملية الترجمة بخطوتين ضياع هذه المعاني كلها.
– عدم الدقّة في المصطلحات والمفاهيم المستخدمة في الترجمة حتى بين اللغة الإنجليزية واللغات الأخرى التي يتمّ ترجمتها مباشرة إلى الإنجليزية أو العكس، دون وجود لغات وسيطة، فعلى سبيل المثال: الترجمة من اللغة العربية إلى الإنجليزية قد تواجه صعوبات عدّة إذا لم تراعِ بنية الجمل العربية طبيعة بنية الجملة في اللغة الإنجليزية،فمثلاً، حينما تبدأ الجملة العربية بالفعل ثم الاسم، تختلف في ذلك عمّا هو مُتَّبَع في بنية الجملة الإنجليزية التي تبدأ بالاسم ثم الفعل، ففي العربية تكون الجملة «جاء الرجل» أما في الإنجليزية فتكون الجملة «الرجل جاء»، وهو ما يؤدّي إلى ضعف في الجملة المُترجَمة. أضف إلى ذلك- مثلاً- حينما تكون الجمل العربية طويلة قد يتبع الفعل أكثر من عشر كلمات قبل ورود الفاعل، مما يجعل من الصعب على الترجمة الآلية أن تنقل الفعل إلى مكانه الصحيح في الجملة الإنجليزية، بل إن كثيراً من أنظمة الترجمة الآلية تحذف الفعل بالكامل، وهو ما قد يخلّ بالمعنى تماماً.
– ليس صحيحاً ما يدَّعيه البعض من أن الطريقة التي تعتمد عليها الترجمة الآليّة في استفادتها من الذخيرة اللغوية المنتشرة من مفردات كل لغة تمثِّل المنبع الرئيسي الذي تنهل منه الترجمة الآليّة، وهو منبع كاف لتقديم ترجمة متميِّزة عبر الإنترنت. إلا أن مثل هذا الافتراض لا يصدِّقه الواقع العملي، فما يحدث اليوم في اللغات العالمية الأخرى، بما فيها اللغة العربية، يدحض مثل هذا الافتراض، لأن مفردات أيّة لغة متوافرة على شبكة الإنترنت مهما بلغ حجم ذخيرتها من الحروف (مئات الميجابايتات)، لا يمثِّل سوى الحدود الدنيا لحجم الذخيرة التي يمكن الاعتماد عليها للحصول على ترجمة معقولة ومقبولة، فالذخيرة اللغوية الممكن توافرها باللغة العربية- على سبيل المثال- لا تزال محدودة.
في ضوء هذه المخاطر والأخطاء التي تترتَّب عن الترجمة الآلية، يصبح من المهمّ، بل من الضروري أن تكون هناك دراسات متكاملة حول كيفية معالجة مثل هذه المخاطر حفاظاً على المنظومة الخاصّة بكل لغة دون تحويرها. وتُعَدّ هذه المقالة خطوة أولى تدقّ جرس الإنذار على ما يترتَّب على الترجمة الآليّة من مخاطر سلبية على اللغات الأخرى غير المركزية، خاصّة اللغة العربية، سواء بالترجمة منها أو إليها.
ومن الأهمّيّة بمكان، قبل أن ندلى برؤيتنا في هذا المضمار، أن نشير إلى أهمّ الأسباب وراء هذا التردّي الذي يصيب الترجمة الآليّة، خاصة فيما يتعلَّق باللغة العربية، ومنها:
– إن القائمين على تصميم وإنتاج برمجيات الترجمة هم من المتخصِّصين في مجال الحاسب الآلي على اختلاف تخصُّصاتهم، ولا نكاد نرى بينهم عالماً متخصِّصاً في اللغويات أو في اللغات المترجمة الأخرى، ومن بينها اللغة العربية. في حين إن معالجة اللغة الطبيعية تختلف، بشكل كبير، عن غيرها من تطبيقات الحاسب المختلفة؛ فهي تحتاج، بشكل أساسي، إلى مختصّين باللغة يعملون جنباً إلى جنب مع مصمِّمي تطبيقات الحاسب، وهو ما يكاد يكون منعدماً عند تصميم أو تطوير برامج الترجمة بصفة عامّة، وترجمة اللغة العربية بصفة خاصّة.
– عدم اهتمام المؤسسات الكبرى في العالم العربي بقضية الترجمة المباشرة من اللغات المختلفة، فلا تزال تعتمد، بصفة رئيسية، على وجود اللغة المرجعية- الوسيطة- في عمليّة الترجمة.
– طبيعة بعض اللغات وصعوبتها، ومنها اللغة العربية التي تتَّسم بالتنوُّع الواسع لمفرداتها وعباراتها، فضلاً عن تميُّزها بوجود عدد كبير من الطرق والوسائل البلاغية والاشتقاقات، إضافة إلى تعدُّد الترجمات العربية للمصطلح الواحد بسبب عدم توافر القواميس العلمية العربية، وهو ما يربك القارئ الذي تعوَّد على مصطلح معيَّن، مما يجعله يرى أن الترجمة غير صحيحة. كل هذا يزيد من مستوى الصعوبة في معالجتها عبر البرامج المصمَّمة لذلك، خاصة وأن غالبية المبرمجين ومصمِّمي النظم يفضِّلون المجالات الأكثر سهولة والتي لا تحتاج إلى أوقات طويلة، وتحقق لهم عائداً مادّيّاً أكبر، حيث تغلب على عمليات الترجمة الآليّة- عادةً- الدوافع التجارية والسعي إلى تحقيق الأرباح السريعة دون الاعتناء بجودة الترجمة أو السعي إلى تطويرها.
في ضوء هذه الإشكاليات وتلك الأسباب وراء ضعف الترجمة الآليّة، وتراجع مستوياتها بصفة عامّة، وخطورتها على المنظومة الخاصّة بكل لغة بما قد يتبادر إلى الذهن من أن ثمّة حرب لغات أو لسانيات تجري في عالم الإنترنت، تستهدف التأثير على مستويات التقدُّم والإبداع لدى البلدان الصاعدة، ومن بينها البلدان العربية، فإنه يصبح من الأهمّيّة بمكان وضع رؤية متكاملة لتطوير الترجمة الآليّة بصفة عامّة، والترجمة الآليّة في اللغة العربية بصفة خاصّة، بما يعظِّم من فوائدها ومزاياها، ويقلِّل من مخاطرها وأخطائها، ومن أبرز أبعاد هذه الرؤية ما يأتي:
– الحاجة إلى معجم عربي محوسَب يتضمَّن كل مفردات اللغة العربية بشكل يسهِّل التعامل مع المفردات في كافة التطبيقات ذات العلاقة، وذلك على غرار ما هو موجود في اللغات الأخرى، سواء أكان معجماً أحاديّ اللغة أو ثنائيّها أو متعدِّد اللغات.
– تشجيع الجامعات ومراكز البحث العلمي للبدء في تطوير الترجمة الآلية في مجال اللغة العربية، وهو ما يتطلّب:
– تخصيص ميزانيات للبحث العلمي للجهات التي تعمل في هذا المجال.
– زيادة حجم الأبحاث اللغوية المتعلّقة بالترجمة الآليّة من اللغة العربية وإليها، وخاصّة في مجال التحليل الإحصائي؛ بهدف التعرُّف إلى المشكلات التي تواجه عملية الترجمة الآليّة، ومنها: مشكلة الكلمات متعددة المعاني، مشكلة التحليل الصرفي، المشترك اللفظي، مشكلة فهم المعنى من السياق، مشكلة الإعراب والنحو، ومشكلة التشكيل.
– توحيد الجهود العاملة في هذا المجال وتنظيمها تحت مظلّة واحدة، ولتكن المنظمة العربية للترجمة؛ كونها المظلّة الأكثر قبولاً في هذا المجال.

* كاتب تونسي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة