أولادنا أمانة باعناقنا.. والنظام التربوي هدفه صناعة الاجيال لا تدميرها

تشكل الفئات العمرية دون سن الخامسة عشرة 43% من سكان البلاد، وهذه نسبة كبيرة يجب منحها الاولوية.. فهم في الكويت 26% وفي تركيا 26% وفي ايران 23% حسب الاحصاءات الاميركية في 2012.. ولاشك ان هذه الفئة هي مستقبل البلاد. ولاشك ان المدرسة هي القاعدة والمفتاح الاساس للتعامل معهم.. فهي التي تضع اللبنات الاساسية لتكوينهم ومستقبلهم.. وبالتالي للعلاقات الاسرية والاجتماعية، ولصناعة مستقبل الاجيال الصاعدة والبلاد عموماً. ومما يؤسف له ان نظامنا التربوي ما زال نظاماً تلقينياً، كمياً وليس نوعياً، هدفه الاساس ليس المعرفة وتطوير القابليات وبناء الشخصية، بل عبور حاجز الامتحانات والانتقال الى مرحلة اعلى، وهو ما ينظم العلاقة بين العائلة والمدرسة من جهة والتلاميذ الاطفال من جهة اخرى، والتي عادة ما تأخذ شكلاً متوتراً قسرياً.. ترهق الاطفال والاباء على حد سواء، وتجعل الدراسة عقوبة وليس حقاً ورغبة.
عبور الصفوف الابتدائية مثلاً في الكثير من الدول اليوم لا يتم عبر الامتحانات، بل عبر التقيمات التي تشترك فيها المدرسة والاباء.. وقرار العبور يأتي في النهاية من الاباء قبل المدرسة.. فهم يعرفون ابناءهم اكثر من غيرهم. وفي كل الاحوال ستكون هناك مرحلة البكالوريا التي لن يستطيع الطالب عبورها ما لم يكن قد تهيأ بنحو جيد. لذلك فان التشدد، وحشو المعلومات، من دون فهم حقيقي سيبني ابتداءً جيلاً جامداً لا يفكر، بل يسطر مجموعة معلومات حفظها مؤقتاً عن ظهر قلب ليدخل بها الامتحان ويخرج بها ناجحاً.. بل يخبرني آباء عن غش يجري.. يساعد عليه المدرسون، لتخرج مدارسهم ناجحة، ويحقق تلاميذهم النجاح.
حدثني احد الاصدقاء عن امر حصل مع حفيد له.. كان الولد مريضاً ولديه حمى مرتفعة.. وكانت والدته ترتب امرها للذهاب معه الى المدرسة في الساعة الحادية عشرة صباحاً.. يقول الصديق عندما سألت والدته.. لماذا لم يذهب الصبي صباحاً.. قالت لان لديه امتحاناً يؤديه في موعده ويعود الى فراشه. اجابها الجد، لكن الصبي مريض.. قالت نعم لكنه سيرسب ان لم يقدم للامتحان.. قال والتقرير الطبي.. قالت لا يقبلون من الطبيب، بل يشترطون استحصال تقرير من المركز الصحي للمحلة.. وهو ما يتطلب الذهاب والانتظار والتدافع وقد يأتي الدور او لا يأتي، وقد يقتنع المسؤول او لا يقتنع، فلماذا المخاطرة والعناء الاضافي، يذهب ويمتحن وينتهي الامر.
قد لا يبدو ما ذكره الصديق مهماً لكثيرين ويفضلون الكلام عن المناهج والبنايات التي هي مواضيع خطيرة اكثر. لكن ما سمعته يجب الالتفات اليه. فهذه الاجراءات لها دلالاتها. فاذا كنا نتعامل مع هذه الامور الاعتيادية بهذه الروتينية والقسوة والجمود فكيف سنتعامل مع الامور الاخطر بتفهم وعقل ناضج؟ فلقد مررنا ايضاً بمراحل الابتدائية قبل اكثر من 60 عاماً.. وكان تقرير من طبيب مجاز يؤدي الغرض!! اكرر قبل 60 عاماً كانت هناك ثقة بالطبيب والعائلة، واليوم باتت الثقة مفقودة.. وعشنا في الغرب، وان كلمة او ورقة صغيرة من العائلة تكفي لتأجيل امتحان التلميذ، ان كان هناك اصلاً امتحان. فاذا كان النظام لا يثق بالمدارس.. والمدرسة لا تثق بالعائلة او حتى بطبيب مجاز.. فهل نمتلك فعلاً مقومات بناء نظام تربوي يمكن ان يوفر لابنائنا التربية والمعارف التي يمكن لهم ان ينهضوا بها، والتي بهم ستنهض البلاد. كنت اشاهد قناة «طه» اللبنانية المخصصة للاطفال، والتي تعتمد اسلوب الاغنية التربوية.. فعبر الاغاني والاناشيد التي يؤديها الاطفال انفسهم يتم الدفاع عن حقوقهم.. حقهم في الملاعب واللعب.. وحقهم على معلميهم في انماط التدريس.. وحقهم في تنويع مداركهم خارج المناهج.. بل حقهم في عدم اثقال كاهلهم بحقائب سيتعب الكبار من حملها. فهناك إذن نظرتان.. الاولى ترعى الطفل وتأخذ بيده وتساعده وتفتح قابلياته.. والثانية تحشو عقول الاطفال بمناهج رتيبة، وتقسرهم عليها وتلقنهم اياها، وقد ينجحون في الامتحانات، لكنهم على الاغلب سيفشلون في الحياة.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة