براءة دول الجوار

لقد تطرقنا مراراً إلى الأدوار السلبية لدول الجوار في العبث بشؤون ومصائر هذه المستوطنة القديمة، لكن كل ذلك لا يمنع من التعاطي مع هذا الملف بقليل من الإنصاف، كي نتعرف على الشروط والقوى الخفية التي تمهّد وتعاضد مثل تلك الأدوار المتطفلة على خياراتنا الوطنية. عندما نتصفح بشيء من الموضوعية والتمعّن واقع الاصطفافات الحالية ونوع المخلوقات التي تلقّفت زمام الأمور بعد “الفتح الديمقراطي المبين” سنصطدم لا محالة بذلك العشق اللامحدود لدول الجوار عند الكتل المتنفذة وحيتانها، وبمقدور أي متابع متأني للمشهد الغرائبي الراهن، مشاهدة ذلك السباق والتدافع في استعراض تلك الميول الجنونية للبرهنة على ذلك العشق، ومع مثل هذه الهرولات المسعورة لا يمكن لوم دول الجوار وما خلفها؛ على ولعها المزمن في العبث برسم ملامحنا وانقاض هويتنا الوطنية. لا يمكن لوم إمارة قطر العظمى ولا الأردن الهاشمية، ولا خلفاء امبراطوريات العجم والروم وغيرهم؛ على هوايتهم وشغفهم بالتنزّه على تضاريس “بستان قريش”؛ فما تطفلهم هذا إلا استجابة لدعوات ورغبات ما أطلقنا عليه بـ (عراقيو دول الجوار)، وهذا ما أكّدته تصريحات سفير المملكة العربية السعودية في لقائه الأخير مع قناة السومرية؛ عندما كشف عن العتب الشديد لقوى محلية عراقية على المملكة لضعف تدخلها في الشأن العراقي تضامناً مع مظلومية “المكوّن” الذي تمثله هذه القوى. ومثل هذه التصريحات لا تستدعي العتب والغضب بقدر ما تتطلب الامتنان لشفافية هذا السفير الذي صارحنا بحجم الإنجاز الذي اجترحته مؤتمرات وولائم المصالحة الوطنية ومساحات الثقة الفعلية لا الاستعراضية بين كتل “الأخوة الأعداء”.
بلا شك تعد تصريحات السفير ثامر السبهان تدخلاً في الشأن العراقي، وهذا لا ينفي عن دول الجوار الأخرى وغيرها تدخلها في تفصيلات شأننا الوطني، عبر وسائلها وطرقها الخاصة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال من الذي شرّع أبواب هذا الوطن أمام هذه الاستباحات؟ من دون الحاجة الى اللف والدوران نقول إنها القوى التي اكتسحت صناديق الاقتراع في جميع دوراتها منذ لحظة الفتح الديمقراطي المبين الى يومنا هذا، جميعها استعانت بخطوطها الخلفية وترساناتها من سرديات الحماسة والثارات الصدئة، المدعومة بقوةٍ من العقائد السياسية والآيديولوجية المهيمنة في دول الجوار. هذا المنهج والسلوك لا يختص بالكتل الإسلاموية والطائفية بل يمتد الى من تدعي القومية والعلمانية، وما التصريحات المتتالية لرئيس إقليم كردستان الذي انتهت ولايته منذ أشهر حول عدم اعترافه بوجود دولة باسم العراق، ومطالبته الأخيرة في حواره مع صحيفة الغارديان البريطانية بإعلان موت اتفاقية سايكس- بيكو القديمة لصالح اتفاقية جديدة تعترف بـ (الدولة الكردية) بعد زوال العراق وسوريا وغير ذلك من التمنيات المتنافرة وروح ذلك الحق الذي يضمن للأمم تقرير مصيرها بعيداً عن وسائل الزجر والإكراه وانتهاك حقوق الآخرين؛ إلا تأكيد آخر على براءة دول الجوار وما بعد الجوار من هذه التهم الموجّهة لهم في التدخل بشؤوننا الداخلية. كما ان هذه السياحة على تضاريسنا السياسية والقيمية لن تنتهي بوجود مثل هذه الأحزاب والزعامات التي تقبع الهوية العراقية (اليتيمة) في قعر اهتماماتها السياسية والآيديولوجية..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة