(مع بورخيس).. أعمى لوّن العتمة بأحلامه ورأى الكون مكتبة

المغرب ـ موسى برهـومة:

«لستُ أدري بالضبط سببَ إيماني بأن الكتاب يجلب لنا أفق السعادة، لكنّني ممتنٌ حقاً لتلك المعجزة المتواضعة». بهذه الروحيّة المنفتحة على الكون يزاول الكاتب الأرجنتيني خورخي بورخيس الحياة. إنه الأعمى الذى رأى كلَّ شيء دفعة واحدة، ورصّع أروع أيقونات الأدب المعاصر شعراً ورواية وقصصاً وكتابات ونقداً وترجمة.. وعصياناً ضد الرتابة في الأدب والفن.
بورخيس، صاحب (التاريخ الكونيّ للعار) الأعمى الأبديّ الذي لوّن العتمة بأحلامه. الذي كان يكره السياسة، ويعتبرها الشكل النهائي للضجر.. الكاتب الذي رأى «العالم مكتبة»، وأنَّ كلّ كاتب يخلقُ أسلافه الخاصّين به، فيما تحوكُ الآلهة للإنسان المحن كي يكونَ للأجيال القادمة ما تغنّي عنه؛ وإذ ذاك يصير الفنُّ مثل إيثاكا، بأبديّة خضراء..!!
من هذه النافذة الواسعة المطلة على تاريخ مليء بالدهشة، يدخلنا الكاتب ألبرتو مانغويل إلى الغرف السحرية للكاتب الأرجنتيني من خلال كتاب (مع بورخيس) الصادر عن دار الساقي في بيروت العام 2015 من ترجمة أحمد م. أحمد.
في بوينس آيرس، عام 1964، يدنو كاتبٌ أعمى من موظف مكتبة عمره ستة عشر عاماً ويسأله إن كان يهمه العمل بدوام جزئي كقارئ بصوتٍ مرتفع. كان الكاتب هو بورخيس، أحد العقول الأدبية الأكثر رهافة في العالم؛ وكان الصبي هو مانغويل، الذي أصبح لاحقاً مولِّفاً ومحبّاً للكتب مشهوداً له على المستوى العالمي.
أمضى الفتى مانغويل عدة سنوات يقرأ بصوت مرتفع ويدوِّن ما يقوله بورخيس اللغز، مستعيداً ذلك الزمن بأمانة ودفء، عارضاً لوحة حميمة ومؤثرة لواحد من نجوم الأدب العظماء.

غرفة بورخيس
وبتركيزٍ شغوفٍ، يُدخلُنا مانغويل غرفةِ بورخيس «البسيطةِ كصومعةِ ناسكٍ»، ويعددُ لنا ما حوتْهُ حقائبُ الكتبِ، كتبٌ ليستْ كثيرةً ولكنها غنيةٌ، موسوعاتٌ رواياتٌ أدبُ رحلاتٍ دواوينُ شعر، لبعضها قدسيتُها الخاصةُ بأغلفةٍ حمراءَ سميكةٍ. لم يكنْ ألبرتو محظوظًا أنْ نقلَ لنا صورةَ بورخيس وشقتَه وكتبَه ونتفاً من معايشتِه، إلا لأنَّه كان أحدَ القراءِ المفضلينَ لبورخيس.
بعدَ ذلك ينتقلُ لخط الماضي في قراءاتِ بورخيس فترةَ المراهقةِ، والهجومِ عليه وكذلك ناقديه، والأحلامِ عنده ومكانتِها الأثيرةِ وتفسيراتِه الخياليةِ لها، كما يتحدث عن أصدقائِه، ومعشر المثقفين، والناس الذين يخلون أحياناً من الذكاء.
يقول مانغويل: «يحدثُ أحياناً أن يختارَ بنفسه كتابًا من المكتبةِ؛ فهو يعلم بالتأكيدِ أين يسكن كل من مجلداته، فيذهبُ إليه دون أن يخطئَه، فبالنسبةِ لبورخيس، إن جوهرَ الحقيقةِ يكمنُ في الكتبِ؛ قراءة الكتب، تأليف الكتب، التحدث حول الكتب».
وكان بورخيس يقولُ بفخرٍ لزائريه الذين طلبوا منه رؤيةَ طبعةٍ قديمةٍ لواحدٍ من أعماله؛ إنه لا يمتلكُ كتاباً واحداً يحملُ اسمَه، بيْد أنه في كل ليلةٍ تسبقُ العام الجديدَ يبدأُ كمنْ يؤمنُ بالخرافةِ بكتابةِ نص لكي تمنحَه السنةُ القادمةُ كتابةً أكثرَ وفرة.
يقول مانغويل: ذات مرة، أثناء زيارتي، أحضر ساعي البريد طرداً كبيراً يحتوي على طبعة فاخرة من قصته (المؤتمر) نشرها في إيطاليا فرانكو ماريا ريتشي. كان كتاباً ضخماً، تمّ تجليده وتخصيص علبة له من الحرير الأسود مع صفّ وطباعة بأوراق الذهب على ورق فابريانو الأزرق، وكل رسم عولج يدوياً (كانت القصة مرفقة برسوم تأملية) ورُقمّت كل نسخة برقم متسلسل. طلب مني بورخيس أن أصف الكتاب. أصغى بانتباه ومن ثم صرخ بقوة: «لكن هذا ليس كتاباً، إنه علبة شوكولا! وبادر إلى أن جعل منه هدية لساعي البريد المرتبك.
في تلك الشقة التي شهدت الواقعة، يتذكر مانغويل المكان الحميم الدافىء «المعطر بأريج ناعم، لإصرار الخادمة على إبقاء درجة حرارة التدفئة عالية، ورشّ منديل بورخيس بماء الكولونيا قبل دسّه، وأطرافه مرئية، في جيب سترته العلوي».

عمى بورخيس
كانت غرفة بورخيس مظلمة باعتدال، وكأنها تناسب عمى رجل عجوز، يصفه مانغويل بأنه «كان نوعاً من عمى اشتدّ عليه بالتدريج في عمر الثلاثين، واستقرّ أبدياً بعد عيد ميلاده الثامن والخمسين. وكان متوقعاً منذ ولادته، لأنه ورث نظراً ضعيفاً من جده وجدته الإنكليزيين اللذين ماتا أعميين، كذلك من والده الذي أصيب بالعمى في نفس عمر بورخيس»، لكنه على عكس بورخيس، استعاد بصره بعد جراحة أجريت له قبل وفاته بسنوات قليلة.
ولطالما تحدّث بورخيس عن عماه، باعتباره «سخرية الله» الذي منحه «الكتب والليل». لكنه، كما يفعل دائماً في كتبه وحياته، يحوّل الأشياء إلى مادة للسخرية الثرية، إذ يمضي يتحدث عن الشعراء العميان مثل هوميروس وميلتون، فضلاً عن تذكر المفارقة التي جعلته ثالث مدير للمكتبة الوطنية في بوينس آيرس يصيبه العمى، بعد مارمول وبول غروساك.
وفي مزاج رثائي يقول بورخيس، إن العمى والشيخوخة كانا طريقين مختلفين كي يكون المرء وحيداً.
وعن كيفية عمل مانغويل مع بورخيس يروي الأول:
«أيمكنك أن تدوّن هذه». يعني الكلمات التي نظمها لتوّه والتي حفظها عن ظهر قلب. أملاها عليّ واحدة واحدة، مرخّماً الإيقاعات التي يعشق، متلفظاً علامات الترقيم. يلقي القصيدة سطراً إثر آخر، دون أن تعاد قراءته على مسامعه، مرة، مرتين، خمس مرات. يعتذر لهذا الطلب، لكنه سرعان ما يطلب مرة أخرى، مصغياً إلى المفردات، يحيلها مرئية في ذهنه، ثم يضيف سطراً آخر فآخر. تأخذ القصيدة أو المقطوعة شكلها (لأنه يجازف أحياناً بكتابة النثر من جديد) على الورق في خياله. إنه لمن الغريب التفكير أن المؤلَّف الوليدَ يرى النّور للمرة الأولى بكتابة يد ليست يد مؤلفه. ها قد انتهت القصيدة (النص النثري يحتاج عدة أيام). يتناول بورخيس قطعة الورق، يطويها ويضعها في محفظة نقوده، أو بين طيات كتاب. بطريقة غريبة الأطوار، يفعل الشيء ذاته بالنقود. يتناول ورقة نقدية، يطويها بشكل طولانيّ ويودعها باطن أحد المجلدات في مكتبه. لاحقاً حين يحتاج أن يدفع لقاء شيء ما يسحب كتاباً و(أحياناً، ليس دائماً) يجد الكنز.

الكون مكتبة
وبخصوص مكتبة الرجل الذي أسمى الكون مكتبة، والذي اعترف أنه تخيّل الفردوس على شكل مكتبة، فإن حجم مكتبته الشخصية، كما يروي مانغويل، يبعث على خيبة أمل، ربما لأنه أدرك، كما قال في قصيدة أخرى، أنّ في وسع اللغة «أن تقلّد الحكمة» وحسب.
وكان الزوار يتوقعون مكاناً مكسوّاً بالكتب، برفوف تطفح حتى حافاتها، أكواماً من المطبوعات تسدّ الممرات وتبرز خارج كل فجوة، أدغالاً من حبر وورق، لكنهم كانوا يجدون بدلاً من ذلك شقة تحتل الكتب فيها الزوايا المهملة. بيْد أن بعض حقائب الكتب كانت تضم خلاصة قراءات بورخيس، ابتدأ بتلك التي احتوت الموسوعات والقواميس، وكانت مفخرة بورخيس.
كان يقول: «أنت تعلم أنني أحب التظاهر بأنني لست أعمى، وأنني أسعى وراءها بشهوة رجل يمكنه الإبصار. أنا شره للموسوعات الجديدة. أتخيل أنني أستطيع تتبّع مسار الأنهار على خرائطها، وأجد أشياء مدهشة في المواد العديدة».
وكان بورخيس، على ما يروي، مانغويل، نافد الصبر تجاه الغباء، وقد قال مرة، بعد اجتماع خاص مع أستاذ جامعي فارغ: «أفضّل أن أتحدث إلى قاطع طريق ذكيّ». كان هناك على الدوام، في الأرجنتين، ميلٌ لدى المواطنين للنقاش، لترجمة الحياة إلى كلمات. قد تبدو مناقشة الغيبيات حول كوب من القهوة في مجتمعات أخرى نوعاً من الترف أو العبث، لكنّ الأمر لم يكن كذلك في الأرجنتين. أحب بورخيس المناقشات، وخلال وجبات الطعام سيختار ما أسماه «الأجر المتواضع» كمثل الأرز الأبيض والمعكرونة، لذلك فإن عملية الطعام لم تكن لتصرف انتباهه عن الحديث. كان يؤمن أن في وسع أي إنسان أن يختبر ما اختبره إنسان آخر، وكشاب لم يدهشه أن يجد بين أصدقاء أبيه كاتباً هو ماسيدونيو فرناندث الذي أنجز كل شيء بإمكانياته الذاتية، وهو الذي أعاد اكتشاف أفكار أفلاطون وبقية الفلاسفة.
لقد آمن بورخيس بأن «واجبنا الأخلاقي يتمثل في أن نكون سعداء» وآمن بأنه يمكن العثور على السعادة في الكتب، ومع ذلك لم يتسنَّ له أن يفسّر لماذا كان الأمر هكذا».
لقد وثِق بالكلمة المكتوبة بكل هشاشتها، ومن خلاله كأمثولة، أسلمنا نحن قرّاءه، المفتاحَ إلى تلك المكتبة اللامتناهية التي كان يدعوها اللآخرون الكون.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة