الأخبار العاجلة

سدنة الإعلام الجديد

ما الذي يجعل تنظيمات اجرامية وهمجية مثل القاعدة وداعش تنتصر على شعوب مشهود لها بالذكاء والقدرة على الابداع والابتكار كالعراقي والسوري على سبيل المثال لا الحصر في الجبهة الأشد فتكاً (الاعلام)..؟
الجواب على ذلك لا يحتاج الى جهد كبير وحفريات واسعة وعميقة، لا يحتاج لغير تصفح نوع المشاريع التي تتصدى لمثل هذه الجماعات الظلامية، المنحدرة الى مضاربنا من كهوف التاريخ وصفحاته المعتمة. مشاريع تتفق مع هذه العصابات على السرديات التي اهدت شعوب وقبائل وملل هذه المضارب؛ أبشع انواع التجارب الشمولية. ففي سوريا مثلاً فشلت كل محاولات اعادة انتاج جملوكية الاسد، وبسبب من عدم وجود البديل الحضاري والتباس المشهد الحالي بفعل الصراعات البعيدة عن المواثيق الدولية المتخمة بمدونات حقوق الانسان والجماعات، حصدت جماعات التطرف والاستبداد من كلا الصوبين ثمار هذا الطوفان حتى هذه اللحظة.
وفي العراق والذي مثل ذات فجر من تاريخ هذه المنطقة بقعة ضوء كبيرة، تحول اليوم وبعد عقود من هيمنة أبشع الانظمة الشمولية (جمهورية الخوف) الى أكبر حقل لتخصيب مومياءات التاريخ واستثمارات دول الجوار. ومن يتابع نوع الاعلام العراقي الذي طفح بعد الفتح الديمقراطي المبين، يدرك نوع العقائد والمشاريع التي تدغدغ عقول وضمائر القائمين عليه من شتى الرطانات والخطابات والازياء. بمثل هذه العقليات والخطابات الخاوية لا يمكن مواجهة الردة الحضارية والتي تمثل داعش سنامها الاعلى. لا بل كشفت المعطيات عن دور مثل هذه الخطابات الاعلامية الفجة والتلفيقية في رفد الجماعات والعصابات الارهابية بكل ما تحتاجه من مواد ومبررات لترسيخ مواقعها في هذا الحقل الحيوي.
ومن يتابع المنابر الاعلامية العراقية من شتى البيارغ والمكونات والمنحدرات، ولا يستثنى من ذلك ما يفترض به ممثلاً للدولة العراقية الجديدة، سيجد ما يشبه العقد الجمعي بينها جميعاً على نبذ كل ما يمت بصلة للمصل المضاد لداعش واخواتها؛ أي خطابات الحداثة والتنوير، فأبوابها ومنصاتها مشرعة فقط للمخلوقات التي تجيد فن نقل عدتها ورطانتها من كتف الى كتف آخر وطبقاً للوصية الخالدة (كلمن ياخذ امي يصير عمي). مثل هذه السياسات والمواقف التي تفرط بكل الفرص والامكانات المتاحة للمواجهة الحقيقية مع هذا الايدز القيمي والحضاري، هي من مكن هذا الطفح الآسن من البقاء والتمدد. هناك غير القليل من الكتاب والمفكرين الاحرار والمناصرين لقيم النور والحداثة (البوكو) بمقدورهم تشكيل جبهة فاعلة في هذه المعركة المصيرية من تاريخ هذه التضاريس التي تضامنت لأكثر من الف عام مع أهل الكهف في سباتهم الجليل، لكن مشيئة سدنة الاعلام “الجديد” ما زالت تقف بالمرصاد لكل من تسوّل له نفسه الامارة بمثل هذه الوساوس الشيطانية..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة