بن ريفرز يبحث عن اللاحقيقي في صحراء المغرب

«ترتجف السماءوالأرض خائفة والعينان ليستا أختين»
ليو جولدسميث

أخر فيلم قصير لـ(بن ريفرز), (الأشياء) 2014، هو جولة حميمة في فضاء المخرج الداخلي وحياته الشخصية. بما في ذلك صور ولقطات الأفلام التي تدخل ضمن الفيلم، السناجب في باحة المنزل، الحلي على الرفوف، المجلدات النفيسة ذات الرقع التي تحمل توقيع مؤلفها: بن ريفرز، والعينات الصوتية لأندي كوفمان وقرص مدمج لأغنية الحوت الخاصة بناشيونال جيوغرافيك. انه فيلم ملئ بالكنوز ولكنه أيضا صورة للذات مقدمة كمجموعة من القطع المثيرة للدهشة.
آخر أعمال ريفرز هو عبارة عن مجموعة مشاريع مترامية الاطراف التي يطابق تنوعها، حجمها وتعقيدها الاسهاب في عنوان الفيلم: (ترتجف السماء والأرض خائفة والعينان ليستا اختين). مجموعة متنوعة من الرحلات في صحراء وأطلس جبال المغرب، مشروع (ترتجف السماء..) يتألف من كتاب، وفيلم معروض بعدسة 45 ملم وهي باختصار: كلها متداخلة ومتقاطعة مع بعضها، ومع أفلام وقصص أخرى لا تعد ولا تحصى.
في فيلم ريفرز والماخوذ عن قصة (بولز), فان بطل الرواية ليس أستاذا في مجال اللسانيات بل هو مخرج: المخرج أوليفر لاتشي، الذي يقوم بتأدية شخصيته بنفسه. ويعكس الفيلم افكار بولز المتناقضة أحيانا عن غطرسة الغرب من ناحية، و خوفه وانبهاره بالشرق من ناحية اخرى في عالم السينما، مما يشكل فرصة للعديد من الاحتمالات في مجال صنع الافلام. ونرى ذلك في اللقطات المكررة و المتنوعة ل(ترتجف السماء)، بعضها يكون خلف الكواليس، ماخوذ من فلمين في طور الصنع، مثل مشاهد من (لاس ميموزا، وشيزاد داوود في فيلم سينمائي محتمل)، اضافة الى بقايا من الأفلام القديمة. ومن التفاصيل غير المعلنة التي أثرت على فيلم ريفرز هو الرحلات «الأستكشافية للمواقع» لبازوليني، مثل أستكشاف الموقع في فلسطين (1965)، وملاحظات كثيرة حول (أوريستيس الأفريقي) 1970، نلاحظ في كليهما تجوال المخرج في الدول النامية بحثا عن مواقع ممكنة لأفلامه الخاصة. وهناك نقطة أكثر غموضا تتعلق بعمل المخرج بير بورتابيلا الكاتالوني (كواديكوك فامبير) 1970، الذي هو بمثابة نموذج لمشروع ريفرز المترامي الاطراف. جرى تصوير هذا الفيلم في موقع تصوير فيلم (كونت دراكولا) للسينمائي جيس فرانكو، الذي ادى ادواره الرئيسية كريستوفر لي وهربرت لوم، والفيلم يحمل نظرة المخرج ريفرز بوضوح، بعد أن تم تصويره بأستخدام نوع من الشريط العالي التباين (الأسود والأبيض) المحبب الى النفس. وفقا لجوناثان روزنباو فأن عنوان الفيلم (كواسيدوس) هو «مصطلح كتالوني غامض يعني كلا من ذيل الدودة ونهاية بكرة من فيلم تم حفظه ولم يتم الاعلان عنه».
ومع انه كان يعتبر بمثابة نوع من الخاتمة النهائية للمشروع، الا ان لقطة ريفرز التي يصور بها داود وهو يقوم (باطلاق النار على الفيلم) حذفت من النسخة الرئيسية للفيلم. (فهي يمكن تحويلها الى فيلم قصير مستقل بعنوان «حدث بعيد»). ويختلف فيلم داود أسلوبيا تماما عن عمل ريفرز، لكنه على الرغم من ذلك يعتبر بمثابة مرجع يحتوي على الاستعارات المتسمة بطابع الخيال العلمي التي تلقي بظلالها على فيلم ريفرز عبر عمل بولز وأنتاج لاكسي . ويعود المخرج لاستخدام ليغزيرا بيتش في (سيدي إفني) في المغرب، حيث المناظر الطبيعية الغريبة. و فيلم داود يتمحور حول اجتماع أثنين من الزائرين الفضائيين زرق البشرة وقبيلة من السكان الأصليين أكثر بدائية في المظهر. تم تصوير الفيلم بتقنية ال HD وملون بحيوية، اما فيلم (الحدث البعيد)، فتنعكس عليه وجهة نظر ريفرز من حيث اللون الغسقي الواضح ألاحادي «مليء بالخدوش المجردة، اللطخات، ونهاية الشريط المضيئة المتوهجة. تتسم لقطات ريفرز «في كثير من الأحيان بطمس الخط الفاصل بين الفيلم الجاري صنعه والعالم الواقعي بعيدا عن الشاشة، خالطا بين الصور من بروفات لمشاهد الموت وتعديلات الأزياء مع مجموعة ملاحظات عن عامل المايكروفون المتجول والأطفال المحليين المحدقين في تصوير الفيلم وعدد قليل من الكلاب الضالة».
بالنسبة لبولز و ريفرز، هذه العملية هي بمثابة انحلال الهوية في مواجهة نظير غير غربي أخر، لكنه لا يخلو من انعكاسية معقدة، وعي ذاتي حول دور الفنان بصفته المراقب النقي لما هو خارج البلاد من مناظر الطبيعة الرومانسية إلتي هي من اختراع خياله و تخطيطه في اغلب الاحيان. وهكذا تجد في الجزء الأول من الفيلم الرئيسي لريفرز «تجد أوليفر لاكسي يستخدم سيارات الأجرة عبر الصحراء كما يقوم بتصوير فيلمه في جبال الأطلس، حيث تجر البغال الامتعة والمعدات عبر الوديان وعلى امتداد الأنهار: وهو تحول من منظر طبيعي حقيقي جدا الى موقع لصنع الأساطير السينمائية. انها ليست حالة خلق عالم من العدم، كما هو الحال في عالم التكنولوجيا الرقمية لرسومات الحاسوب ولكن ربما هي شيئ جديد أكثر صعوبة في فهمه: وضع مكان حقيقي في مكان عالم خيالي.
في العرض الأول للفيلم في لوكارنو، وصف ريفرز هذا الاسلوب على انه التحول الوحشي للشخصية إلى «مخلوق دون غرور، دون نية، دون غطرسة، حتى دون معرفة.» طوال الفيلم، كان وريفرز يلمح الى هذا النموذج المجرد من الإنسانية من خلال عدد لانهائي من صور الحيوانات: الخيول والبغال، وخصوصا الكلاب (بما في ذلك كلب المت الذي كان بأكل لسان لاكسي المقطوع). كما أوضح بولز مرة في مقابلته مع مجلة باريس «إن عملية الحياة تستبق افتراض العنف، عالم النبات نفس عالم الحيوان. ولكن من بين الحيوانات الرجل فقط يمكنه تصور العنف.الإنسان وحده قادرعلى أن يتمتع بفكرة الدمار «. وهنا، بالتأكيد، تحول لاكسي الى حيوان يمكن التمتع به وكذلك يجب خشيته و الحذر منه، وسيلة لتبرئة نفسه من منصبه كمستغل هي عن طريق الهروب من الذات.
إذا أخذنا فيلم ريفرز على أنه «بمثابة حكاية للسينما حتى لو كانت خيالية، فأنه مع ذلك فيلم يختار سينما «المواجهة» بدلا من سينما «التحكم او السيطرة»، وهي سينما ترفض تماما فكرة هيمنة الرؤية الفنية على الواقع . إذ أن سيطرة و سلطة السينمائي الفنية تمجد قدرة المخرج على ثني العناصر المنفلتة من الواقع لرؤيته المفردة، الشخصية، بينما يوحي فيلم ريفرز «العكس تماما: أن السينما هي مساحة للتعاون والتصادم مهما بلغت فوضاها في بعض الأحيان، فهي توجد على وجه التحديد في اللحظة التي تكون فيها الرؤية الشخصية في مواجهة مع الواقع، تذوب الى شبكة أوسع وأوسع من الحالات الطارئة والانتماءات. وإذا كان يجعل الامر معقدا بشكل لا مفر منه، فربما يكون هذا التناقض بين الواقع والخيال هو في حد ذاته شيء يتعين الأخذ به.

* ترجمة: أبوالحسن أحمد هاتف

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة