شقة مشبوهة

هكذا صرح الناطق الرسمي باسم عمليات بغداد، تعليقاً على حادث اختطاف الاميركيين من أصل عراقي من قبل احدى مفارز الاشباح في منطقة الدورة جنوب العاصمة بغداد. مشبوهية المكان شخصه لنا بسرعة لم تعهد سابقاً في سيرة ونشاط شريحة الناطقين الرسميين للحكومة الديمقراطية، في الوقت الذي لم يجد هذا الخرق النوعي للأمن داخل العاصمة، أي اهتمام يذكر، بوصفه جزءاً من أحداث تقع في غير القليل من مدن وعواصم العالم، كما اعتاد فطاحلتنا الاعلاميين في تبرير غرائبية المشهد الامني..؟!
مثل هذه الفلتات الاعلامية، تكشف عن بلاوي لا أول لها ولا آخر، خاصة وان موقع الناطق الرسمي لأهم قيادة أمنية (عمليات بغداد) يتطلب الحذر والدقة والوعي العميق بخطورة هذه المهمة، حيث أمن الناس وسمعتهم ومصالحهم تشكل محور هذه المسؤولية الوطنية، في مثل هذه المناخات الشاذة من اللبس والغموض والديماغوجيا المهيمنة. وهنا يأتي السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: عن ماذا أعلمنا الناطق الاعلامي حول عملية الخطف تلك؟ وفي الجواب عن ذلك لا يتناطح كبشان، فالشحنات والرسالة واضحة ومناسبة للاجترار الشعبوي؛ (حيل بيهم وعاشت ايد الي خطفهم). فيا لمصيبتنا بمثل هكذا اعلام وناطقين رسميين. كل هذا ويسألك البعض عن اسباب هذه الهشاشة بالامن وادارة شؤون الوطن والناس.
طبعاً لا يمكن العتب على مثل هذه التصريحات، لانها جزء من وجبات نفسية وتعبوية تلبي ذائقة محظوظي العهد الجديد وجمهور اضاع بوصلته بعد سلسلة من برامج الدمار الشامل. غير القليل منا يعرف نوع أولويات (اولي الامر) ومسطرة الحلال والحرام ومنظومة القيم التي تدعونا لـ (قضاء حوائجنا بالكتمان) وغير ذلك من رطانات الفضيلة والتقوى التي جعلت منا نتصدر سلالات بني آدم في ماراثون الشيزوفرينيا والاغتراب عن هموم وحاجات عصر لا مثيل لسرعة تصدع معلوماته وقيمه ومدوناته وحقائقه. من المؤسف ان نرى وبعد مرور أكثر من عقد على حقبة “الفتح الديمقراطي المبين” كل هذا السكراب الذي تركته لنا الحملة الايمانية في التسعينيات من القرن المنصرم، حيث الشرف والمشبوهية تنحصر بمناطق معينة من جسم الانسان، وفي العلاقة الجنسية بين عيال الله، التي ارتقت وتقننت لشكل يليق بالانسان في المجتمعات التي وصلت لسن التكليف الحضاري. ذروة التراجيديا في المشهد العراقي الحالي؛ يمكن مشاهدتها بوضوح في التناقض الصارخ بين كل هذه الادعاءات بالتقوى والفضيلة والمعطيات الواقعية التي تجعلنا نتصدر المجتمعات والأقوام بالشراهة والتشرذم والفساد.
كما ان هذا الاستعمال غير الموفق لعبارة (شقة مشبوهة) يأتي متزامناً والحوادث البشعة والمنظمة، التي شهدتها العاصمة بغداد، وأدت الى قتل عدد غير قليل من سكان المدينة غالبيتهم من النساء، تحت ذريعة مكافحة “الرذيلة” واقتحام “الشقق المشبوهة” لتعود مفارز الأشباح مطمئنة الى ملاذاتها الآمنة. مثل هذه العبارات تحمل بين طياتها نوعاً من التعاطف لا يليق بمن وضعته الاقدار في مثل هذه الوظائف الحساسة في مجال خدمة الشأن العام وصناعة الرأي والمواقف المنسجمة وروح الدستور وحقوق الناس وسمعتهم، بعيداً عن مزاودات التقوى والفضيلة والفزعات الايمانية التي اهدتنا كل هذا الضياع المبجل..!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة