محنة إنقاذ السماء

لا يوجد ما هو أخطر على الدين مثل رجال الدين كما هو حال القساوسة ورجال الكنيسة عندما سيطروا على كراسي السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر. بعض رجال الدين فايروس خفي داخلي لا يكشفه سونار ولا أشعة أكس، إذ يجري متطفلا على قلب جسد الامة، لذلك ينتظر الكثيرون سكتة دينية. أو يتطفل على الرأس ويتفاقم خطره على سلطة العقل ثم يؤدي هو ايضاً الى سكتة عقائدية. صارت الكنيسة أهم من المدرسة والجامعة والمكتبة، هي التي تقود الثقافة وسلطة التشريع والقضاء والحكم وقوانين المجتمع، واليوم أخذ الجامع والمسجد هذا الدور.
انتشرت الجريمة المقدسة في القرون الوسطى بقيادة الكنيسة ورجال الدين، حيث الاعدامات في الساحات العامة ومهرجانات محارق السحرة سخمت وجه التاريخ بحطب الطقوس الدينية وشعائر تمجيد الرب، الذي لم يخول أي مؤمن بالدفاع عنه، ولا ارتكاب المجازر باسمه، وإغراق الارض بالدم بدعوى تحقيق العدل الالهي حتى ان الروائي العظيم دستويوفسكي صور لنا هذا المشهد في تلك العصور المظلمة حين يأتي السيد المسيح أثناء مهرجان حرق السحرة فيسجد الناس له، لكن الكاردينال الكبير يأمر جنوده باعتقاله وسجنه وهو يقول للسيد المسيح : لماذا عدت..ماذا تفعل هنا..هذا ليس مكانك وانت لا تستطيع إنقاذ البشر..نحن نقوم بهذه المهمة أفضل منك فارجع..أرجع من حيث أتيت وإلا نحرقك مع السحرة في مهرجان إنقاذ الدين وسوف يهتف لنا الناس ويباركون صلبك مرة ثانية.
فعلا هذا ما يحدث بعدما تم طرد الله من العالم واستلام رجال الدين صولجان الحكم الالهي، يفعلون كل ما يخطر على بالهم باسم الله، صارت الجريمة مقدسة، وإبادة آلاف الاطفال والنساء والشيوخ جهاد شرعي من أجل رفع راية الحق، وتدمير المدن ونسف الاسواق والشوارع والمدارس شرع مقدس لقتل إعداء الله. لا توجد جريمة اليوم من دون غلاف ديني، لقد سلم القساوسة راية الجريمة المقدسة الى الشيوخ والفقهاء وأهل الفتاوى، لذلك يقول الروائي الافغاني (رحيم عتيقي) : ان الاتحاد السوفيتي بجبروته وعظمته وقوته لم يستطع ان يمحو (باسم الله الرحمن الرحيم)، في حين استطاعت طالبان محو القرآن كله خلال سنة واحدة فقط. ويقول الكثير من الفلاسفة والمفكرين وهم يرون اسلام اليوم ويقرأونه على ضوء التاريخ وتحديد مصيره ليقول الدين لنفسه وهو بأنفاسه الاخيرة: صدق الله العظيم.
يكمن إنقاذ الدين بابعاد رجال الدين من السلطة والمدرسة والجامعة والشارع والاسواق، يكمن الحل في الهجرة المعاكسة الى دور العبادة وعدم الخروج منها لاجل حماية الدين من الزوال والانقراض كما فعل الغرب مع رجال الكنيسة وبقي الدين المسيحي لغاية اليوم يحافظ على نفسه وطقوسه داخل دور العبادة. اما الحياة العامة للناس فهي تحت سلطة الانسان الارضي لا السماوي، هو الوحيد القادر على ادراة شؤون الحياة فيستبدل ثقافة الموت بثقافة الحياة فلا يسمع الناس من على المنابر: خرب دنياك وابني آخرتك.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة