الأخبار العاجلة

بين الأرهاب ومكافحة الأرهاب

سلام مكي

لو نظرنا الى الكتب العسكرية الاميركية، لوجدنا تعريفاً للإرهاب وتعريفاً لمكافحة الارهاب. على اعتبار ان مكافحة الارهاب هي نفسها الارهاب! وعلى اعتبار ان كليهما عنف، مع فارق من يمارسه، فإذا قام به من لا نحبه فهو ارهابي، أما اذا قام به من نحبه فهو مكافحة الارهاب هذا الكلام الصادر من ابرز مفكري اميركا، يختصر كثيراً من الامور، ويستدعي منا، مراجعة جميع القوانين الدولية والمعاهدات التي ابرمت بين الدول المختلفة، لبيان الموقف الاميركي منها، وهل يمكن تجاوز جميع النصوص والتشريعات، لحساب مزاجيات بعض الدول؟ طاعون العصر الحديث. هذه التسمية التي اطلقت على الارهاب، منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما اعلنت ادارة الرئيس الاميركي ريغان، انها ستعمل على تخليص العالم من شره وهذا قبل ان ينهار الاتحاد السوفيتي، وقبل ان تنصب الولايات المتحدة الارهاب كعدو اول لها. في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة، تدعم الارهاب الذي تحاربه اليوم، على كون انه يقوم بدور محوري في الحرب الباردة الى جانبها ضد العدو الاول آنذاك وهو الاتحاد السوفيتي. فلولا دعم اميركا للمتشددين في افغانستان وتحويلهم الى قوة لها ثقلها ووزنها في الصراع المسلح في تلك الدولة لما شهدنا اليوم كل هذه الكوارث والجرائم التي يرتكبها الارهابيون تحت لافتة الاسلام، وكان هدف الولايات المتحدة هو زراعة اسلام متشدد داخل جمهوريات وسط آسيا التي تحد الاتحاد السوفيتي من الجنوب، هذا الاسلام الموغل في القدم والذي استغلته الولايات المتحدة ابشع استغلال، وقامت بإحيائه من جديد. ولهذا الاسلام مراكز متعددة في عدد من الدول العربية التي تعد اراضيها المنابع الاولى للإرهاب. هذه الدول تعد نفسها في طليعة الدول التي تحارب الارهاب، فتقوم بعقد الاتفاقيات والمعاهدات وتشرع القوانين التي تكافح الارهاب، لكنها في الوقت نفسه، لا تمس أيا من الجهات والمنظمات وداعمي الارهاب الا قليلا، وبما يخدم مصالحها. تماماً، مثلما تفعل الولايات المتحدة اليوم مع الارهاب، فهي تدعي انها شرطي العالم الذي وجد لأجل الوقوف بوجه الارهاب والدول التي تدعم الارهاب، لا نجده اليوم الا داعماً للإرهاب، بنحو أو بآخر. ويبدو ان الولايات المتحدة، كانت تحاول رعاية وتنشئة التنظيمات المتطرفة وزراعتها بنحو جيد والاعتناء بها في سبيل الوصول الى مرحلة حصدها واطلاق ثمارها الى العالم، ومرحلة الحصاد هذه بدأت رسميا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، اذ اعلن رسمياً ان العدو الاول للولايات المتحدة هو الارهاب. وهذا العدو، يقوم بخدمات جليلة لا يمكن ان يقوم بها الصديق. من استخدامه كوسيلة للدخول الى دول معينة، وجعله احد تبريرات استهداف الاشخاص والدول التي تخالف سياستها. الارهاب الدولي اليوم هو احد وسائل الولايات المتحدة لتحقيق اهدافها في دول العالم. يقول الجنرال ليونيد ايفاشوف وهو نائب رئيس أكاديمية الشؤون الجغرافية. كان قائدا لمصلحة الشؤون العامة في وزارة دفاع الإتحاد السوفياتي، و سكرتيراً لمجلس وزراء دفاع مجمع الدول المستقلة، وقائداً لمصلحة التعاون العسكري التابع لوزارة الدفاع الروسية، ثم قائداً لأركان حرب القوات الروسية: أن الإرهاب الدولي ليس له أي وجود وأن اعتداءات الحادي عشر من أيلول هي مجرد عملية إخراجية. وأن ما نراه ليس سوى إرهاب تتلاعب به القوى العظمى ولم يكن ليرى النور لولاها. وبدلا من اختلاق «حرب عالمية على الإرهاب»، فهو يعتقد بأن أفضل سبيل لتقليص عدد الاعتداءات الإرهابية يكمن في تعزيز القانون الدولي و في التعاون السلمي بين الدول وبين مواطنيها ومن خلال قراءة هذا الرأي يتبين لنا ان مسألة الحرب العالمية على الارهاب، ما هي الا وسيلة للالتفاف على القانون الدولي لتحقيق اهداف خاصة بمن يقوم بتلك الحملة، أهداف لا يمكن للقانون ان يحققها. فالحرب وفقاً للقانون يعني ان هناك نهاية للعدو، وان هناك دولا عدة ستشارك فيها، وان هناك عدواً حقيقياً، لا متخيلا وان هناك تعدداً في الارادات لا إرادة القوة العظمى. وهذا ما لا تقبله الولايات المتحدة، فهي تريد ان تسود ارادتها فقط، وان تقرر هي، متى تنتهي الحرب ومتى تبدأ، وهي من تقرر من هو العدو ومن هو الصديق بغض النظر عن الافعال التي يرتكبها، سواء خالف القانون الدولي أم لم يخالفه. ولأجل هذا، نشأ إرهاب آخر، يفوق الارهاب الذي يحارب قوة وعنفاً، إرهاب تمارسه وترعاه الدول، بحجة محاربة الارهاب. هذا الارهاب الذي لم يجد من يعترف به، وان تم الاعتراف به، فلا يجد تطبيقاً في الواقع العملي، لأن أغلب الدول خصوصاً الكبرى تمارسه، إضافة الى ان تطبيقه من اختصاص تلك الدول لا غيرها. وهنا علينا ان نسأل: لماذا أسهمت الولايات المتحدة بصناعة تنظيم القاعدة والجهات السلفية؟ وهل تسهم القاعدة وداعش في ترسيخ فكرة ان الحضارة الاسلامية هي المنافس الاكبر لحضارة الغرب التي تمثلها اميركا؟

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة