الأخبار العاجلة

الهدوء والاطمئنان.. جزء مهم من عملية الإصلاح

لم تشهد البلاد استقراراً واطمئناناً منذ وقت طويل، تكاد لا تدركه الذاكرة الفردية. فلقد شهد العراق فترات هدوء متقطعة وقصيرة جداً في بعض فترات المرحلة الملكية، وازداد الامر سوءاً في المرحلة الجمهورية.. فعدا ما كانت تحمله الاخبار يومياً من بيانات وتغييرات تضع الجميع امام ترقب المجهول اكثر مما تثير الهدوء والاطمئنان، عدا ذلك دخل عامل الانقلاب العسكري الذي كان يغير خلال ايام قليلة الدستور والقوانين والعلم والنشيد الوطني، والعلاقات الاقليمية والدولية فيصبح من في السجون حكاماً ويعتمر السجون ويعتلي اعواد المشانق من كان بالامس حاكماً يامر وينهى. لم يتغير الامر بعد 1968 ومجيء «البعث» الى السلطة، بل ازدادت الاجراءات الثوروية والبيانات المستعجلة والتغييرات المستمرة التي تضع الناس امام مجاهيل كثيرة، تجعل الناس يضربون اخماساً في اسداس حول وضعهم ومصيرهم وغدهم ومستقبلهم. فقبل بعضهم في مراحل معينة الاستبداد وما فيه من ظلم شديد، مدعين بأن ذلك يحقق في الاقل الاستقرار، لكنهم سرعان ما ارتدوا على اعقابهم مع سيل من القرارات الفورية التي كانت تقلب الطاولة وكل ما عليها. فاعلنت الحرب على ايران وسط تصعيدات متسارعة.. وتم اجتياح الكويت بقرار لم يطلع عليه غير عدد لا يتجاوز اصابع اليد.. وتحولت الحياة الى سر ومجهول كبيرين لا يعلم المواطن معه ما يخفي له الغد.. ليتحول سلوك النظام من اشاعة التحلل ومحاربة كل المظاهر الدينية الى ادعاء «الحملات الايمانية»، وقس على ذلك.
لم يتغير الامر بعد التغيير في 2003.. فالقرارات المرتجلة سواء من سلطات الاحتلال او من الحكومات المتعاقبة جعلت الجميع في حيرة من امرهم، يعيش قلقاً وتوجساً مستمرين بكل الاثار النفسية والعملية الضارة على المواطن نفسه من جهة وعلى الاوضاع العامة من جهة اخرى. بل صار المسؤول يطلق بنفسه بالونات اختبار.. فتضج وسائل الاعلام باخبار مسربة هدفها معرفة الانطباعات قبل امضاء القرارات.. فصارت الاخبار تنشر في مواقع التواصل الاجتماعي قبل ان يطلع عليها اصحاب العلاقة رسمياً، فحدثت حالة من الفوضى والارتباك الشديدين، اللذين يجعلان كل قرار يحمل معه مضاداته التي تفرغه من مضامينه الايجابية.
ان الكلام الذي ينتشر استناداً الى وقائع او مجرد تكهنات والمتعلق باعفاء مئات الموظفين والوكلاء من مسؤولياتهم.. او تخفيض اعداد الحمايات.. او احالة مئات الموظفين الى النزاهة او صدور قوائم منع سفر.. او اجراءات ضريبية او اخرى تتعلق بنزاهة المصارف او بيع العملة او تغييرات وزارية او تخصيصات ستطلق للمقاولين او تخفيضات ستعلن في الرواتب وغيرها من امور تثير ليس ارتباكاً وفوضى عارمتين فقط، بل تثير ايضاً تناقضات بين دعوات تبشر بالانفتاح والانطلاق، واجراءات مناقضة تماماً تدخل الخوف والانكفاء، مما يحول ما كان من المفترض ان يحدث آثاراً ايجابية الى عكس ذلك تماماً.
ان مبداً الاستقرار والتهدئة يجب ان يكون هدفاً بحد ذاته.. بل لعله في معظم الحالات اهم من هدف الاجراءات نفسها. فالقلق والارتباك وعدم الثبات والرسوخ والاستقرار، واللجوء للتغييرات المفاجئة والقرارات المتسرعة باتت سمة للحياة العامة العراقية. وهذا عنصر مدمر يعطل الحياة بمعناها العام، وعلى صعيد الفرد والمواطن بنحو خاص.. ويربي نفسيات الريبة وعدم الثقة والهجرة والشائعة والتسقيط وغياب الحقيقة واجواء الفتنة بكل ابعادها ومعانيها المدمرة.. ويشيع النفسيات القلقة والنزعات الانتهازية، وروح الخيانة واللعب على الحبال وغياب الصدق والامانة والنزاهة.
فالنبات ينمو في تربة ثابتة ومتماسكة.. والحمل يعيش في رحم مستقر وغير قلق.. والعمارة تعلو باعمدة راسخة ومتينة. والمجتمعات تزدهر وتتطور بالاستقرار والاطمئنان.
د. عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة