الأخبار العاجلة

وجه ضاحك في الفيسبوك وابتسامة صفراء في الواقع

أعداء في الحياة.. أصدقاء بمواقع التواصل الاجتماعي
دبي – ميدل ايست أونلاين:

الشاشات الكبيرة التي نجلس أمامها يوميًا والصغيرة التي نمسك بها بأيدينا ولا نتركها غالبًا إلا عند النوم، هي حقيقة أجهزة لها ما لنا تمامًا من مشاعر وأحاسيس، فجهازك هو شخصك فيه كل علاقاتك وملفاتك الخاصة وصورك وأحاديثك، هو أنت بنسخة رقمية تتوزع بين الملفات الخاصة ومستندات العمل، وبين مواقع التواصل التي تقضي فيها وقتًا طويلاً كفضاء حر ومتاح للتعبير ومشاركة الآخرين أفكارهم ومشاعرهم بسهولة وسرعة تفوق سرعة الضوء.
يعد الفيسبوك أشهر مواقع التواصل الاجتماعي وأكثرها انتشارًا وارتيادًا، سهل التواصل بين الأشخاص من شتى الشرائح والتوجهات وقد وفر فضاء الكترونياً واسع النطاق والخصوصية البالغة، وساعد الأشخاص في إيجاد علاقات وإنشاء روابط صداقة جديدة لا يحدها بلد أو حضارة أو دين أو ثقافة.
فبكبسة مفتاح أو لمسة سريعة يمتلك مستعمل شبكة فيسبوك الاجتماعية إمكانية أن يقبل صداقة أي شخص من مستعملي الشبكة أيًا كان مكانه، وأيا كانت خلفياته الثقافية والاجتماعية، وبضغطة زر أخرى يمكن للفرد ذاته أن ينهي صداقة أي شخص عبر الضغط على خيار إلغاء الصداقة الشهير والمعروف جدًا بالنسبة لمستعملي الشبكة.
وإذا استعرض مستعمل فيسبوك قائمة أصدقائه لوجد فيها أكثر من شكل للصداقة، فهناك الأصدقاء الحقيقيون الذين يتواصل معهم في الحياة الواقعية، يخرج معهم ويهاتفهم ويلتقي بهم في المناسبات والأعياد، وهنالك الأهل والأقارب، وهناك شبكة من العلاقات الخاصة بالوظيفة والعمل.
وهناك الصداقات الافتراضية التي في الغالب لا تراعي الاختلافات العمرية بين الشخصين أو الاختلافات البيئية أو المرجعيات الثقافية لكل منهما وتبنى أغلبها على ما في حساب المستعملين من صور ومعلومات، فمثلا تبدأ بعض الصداقات من قبل الرجال لمجرد وجود صورة تدل على جمال صاحبتها، أو لكون هذه المستخدمة الجميلة هي صديقة مشتركة لصديق أو أصدقاء آخرين لأحد المستعملين ، كما يمكن لأية فتاة أن تطلب صداقة مستخدم ثقة لأنه صديق مشترك لإحدى صديقاتها ,أو لمجرد أنه يبدو وسيمًا مثلاً وبالتالي لا تقوم هنا الصداقة في الحقيقة على أي معيار موضوعي بل على مجرد أوهام الصورة أو معلومات غير حقيقية عن المستعمل في ملفه الخاص على فيسبوك.
وترتبط فكرة الصور الوهمية أو المعلومات غير الدقيقة في حساب بعض المستعملين بفكرة أبعد من كونها تزييًفا للحقائق إذ إن الشخص على الإنترنت، أو الشخصية الافتراضية تتمتع بالاختلاف شكلا وفكرًا عن الشخصية الواقعية لأنها تتخلص من قيود الأخيرة في الواقع، وتمنح الشخص الافتراضي الحرية الكاملة في التصرف بالطريقة التي يتمنى أن يكون عليها وليس تلك التي تميز أداءه الواقعي.
لكن الشكل الذي يجعل من فكرة الصداقة على فيسبوك هشة وغير مقبولة وغير منطقية، هو أن يضم مستخدم الموقع إلى قائمة أصدقائه أشخاصًا لا يمكنه التواصل معهم في الحياة، ولا يمكن قبول صداقاتهم في الواقع.
فكثير من مستعملي فيسبوك يحتفظون بأصدقاء يعرفونهم تمامًا في الواقع لكنهم ولأسباب كثيرة لا يتواصلون معهم ولا يستطيعون تقبل فكرة الصداقة معهم بشكلها الواقعي، ومع ذلك يحرصون على زيارة صفحاتهم وإبداء إعجاب ما أو ترك تعليق على منشور معين وفي أحيان كثيرة يأخذ التعليق شكل الإطراء والمجاملات الفائقة اللطف.
ويحدث أن يلتقي الصديق المجامل هذا الشخص في حياته ويدير له ظهره، ولا يستوعب حتى فكرة إلقاء السلام عليه، في الوقت الذي لم يبخل فيه بإعجابات وتعليقات ووجوه صفراء ضاحكة ومبتسمة كثيرة لكنه في الحياة الواقعية يقابله بابتسامة صفراء ووجه عابس.
وربما تتيح مثل هذه الظاهرة وبعض السلوكيات المرتبطة بالتواصل الافتراضي لجهات بحثية أو لدراسات في علم النفس اختبارها ورصدها وتحليلها للتعرف على التغيرات التي تتعرض لها الشخصية العربية خلال تعرضها لإمكانات تقنية واسعة وخلال طريقة تعاطيها للعلاقات والروابط الاجتماعية الكثيرة والمفتوحة على الانترنت، إذ ما زالت العقول مشوشة ومختلطة نفسيًا بمشاعر مضطربة بسبب عدم الإدراك الحقيقي لفكرة التغيير الكبير الذي طرأ على المجتمع بعد ثورة التكنولوجيا الهائلة، وما يترتب عليها من تغيير في القيم التي تبنى عليها العلاقات المستقرة وما تحتاجه علاقات أخرى جديدة من انسجام وفهم متبادل.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة