بين جهاز مكافحة الارهاب وأجهزة مكافحة الفساد

سلام مكي

ليست المرة الأولى التي اكتب فيها عن الفساد الاداري والمالي ودور القضاء والهيئات المعنية بمكافحته، لكني اشعر ان سبب كل المشكلات والاخفاقات والأزمات التي يعاني منها البلد هو الفساد، حتى الارهاب هو نتاج الفساد. وربما لو كانت المواد منشورة في صحيفة غير الصباح الجديد، لما استقبلت مني المواد المكررة. لكني اشعر ان الحديث عن الفساد ومسبباته أمر لا يمكن ان يقتصر على مقال او اثنين، بل يجب الاصرار على تذكير الجهات المعنية لعلها تقوم بواجبها بنحو تام. كما نعلم ان المؤسسة التشريعية العراقية ادركت بعد التغيير خطورة بعض الظواهر الدخيلة على المجتمع العراقي والمؤسسات الرسمية، فقامت بسن قوانين لمكافحتها ومنها مثلا، قانون مكافحة الارهاب الصادر عام2005 والذي تم بموجبه استحداث جهاز مكافحة الارهاب الى جانب الوزارات الأمنية الأخر. أما الفساد فقد تم تشريع قوانين النزاهة وتعديل قانون ديوان الرقابة المالية واستحداث مكاتب المفتش العام في جميع وزارات الدولة. لو لاحظنا ان جهاز مكافحة الارهاب يمارس دوراً بطولياً في جبهات القتال ويقدم الشهداء بالمئات في سبيل تأدية واجبه في التصدي للإرهاب، وهو ساهم الى حد كبير في الحد من انتشار هذه الظاهرة الخطيرة، برغم انه لا يملك صلاحيات ما تملكه بقية الجهات اضافة الى عدم امتلاكه القرار الاساس في محاربة الارهاب. في حين نلاحظ ان الجهات التي استحدثت لغرض مكافحة الفساد تملك صلاحيات واسعة في سبيل مزاولة عملها بالنحو الصحيح، اضافة الى الاموال الطائلة التي تكلف الدولة شهرياً من رواتب وامتيازات ومخصصات في سبيل تحفيز موظفيها على الابتعاد عن كل ما يؤثر على عملهم في مكافحة الفساد والتصدي للمافيات والعصابات التي تمارس التزوير والاختلاس وجميع اشكال الفساد. الفارق بين جهاز مكافحة الارهاب واجهزة مكافحة الفساد هو ان الاول يمكنه الوصول الى أي شخص مهما كان منصبه الحكومي ويمكنه الدخول الى أي منطقة مهما كانت ساخنة ومحتلة من قبل الارهابيين او في الاقل يمكنه المواجهة، بينما اجهزة مكافحة الفساد تم وضع خطوط حمر لها لا يمكن تجاوزها فهناك مناصب في الحكومة يحرم عليها مساءلتها والعبث معها مهما بلغت نسبة فسادها والاموال التي سرقتها، هي فقط تعلن الحرب اذ كان الخصم موظفاً صغيراً. نعم هي تعلن بين الفترة والفترة الاخرى انها بصدد ملاحقة الفاسدين قانونياً وتصدر قوائم بأسمائهم حتى يصل الأمر الى ورود اسماء وزراء وبرلمانيين لكن السؤال: هل تمت معاقبة الفاسدين الكبار؟ هل يتذكر العراقيون ان وزيراً فاسداً حكم عليه بالسجن؟ جرائم الفساد كثيرة جداً، لكن ولا مجرم في السجن! هذه مشكلة كبيرة يجب على الجميع معالجتها والوقوف عندها، يجب على البرلمان مثلا ان يعيد تقييم عمل اجهزة مكافحة الفساد ومقدار ما تكلف الخزينة من اموال مع ما تقدمه لها. يجب بيان الجدوى من وجودها، وهل ان الفساد سيزداد لو الغيت هذه المؤسسات؟ ان على البرلمان ان يقوم بإلغاء القوانين التي استحدثها بعد السقوط المتعلقة بأجهزة مكافحة الفساد ويشرع بدلا عنها قانون مكافحة الفساد على غرار قانون مكافحة الارهاب ويستحدث جهازاً خاصاً بمكافحة الفساد على ان يكون موظفوه من الاجهزة المنحلة وان يكون رئيسه قوياً وجريئاً لا يقيم وزناً الا للقانون فقط. هذا القانون يجب ان يختصر الاجراءات الروتينية والطرق التي اوجبت القوانين السابقة اتباعها في معالجة قضايا النزاهة. فمثلا، يقوم ديوان الرقابة المالية والمفتش العام بعمليات تفتيش ومراجعة لسجلات الدوائر فإذا تم اكتشاف مخالفة إدارية او مالية فإنها تصدر توصيات الى مراجعها العليا بعرض الموضوع على هيئة النزاهة وبعد مرور اشهر من المخاطبات بين فروع الاجهزة في المحافظات وبين المقر العام في بغداد، يتم مخاطبة هيئة النزاهة لغرض فتح تحقيق في القضية. هذه الهيئة لها صلاحية غلق القضايا في حال تبين لمديرها انها لا تشكل جريمة ولها مفاتحة محكمة التحقيق المختصة بقضايا النزاهة لاتخاذ الاجراءات القانونية. محكمة التحقيق ايضاً تقوم بالتحقيق وجمع الادلة للتأكد من كون الاخبار الوارد اليها او القضية جريمة، فتقوم بإصدار اوامر القاء القبض بحق المتهمين، ليخرجوا بعد ساعات او ايام بكفالة مالية انتظاراً لمحاكمتهم في محكمة الجنايات او الجنح.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة