حمّى الأرشيف.. أفلام بيترو مارسيلو

بليك ويليامز *

كما هو الحال بالنسبة للكثير من صناع السينما الإيطالية ألاكثر إثارة للاهتمام الذين يعملون خارج مجال صناعة السينما «المزدهرة» والمعولمة بشكل متزايد في البلاد، تتميز أفلام بيترو مارسيلو بالمزج بين الحقيقة والعناصر الميتافيزيقية التي تتلاشى في الثقافة الريفية ما قبل المعاصرة. يمكن وضع مارسيلو ببساطة جنبا إلى جنب مع معاصريه مثل مايكل أنجلو فرامارتينو، سيمون رابيساردا كازانوفا، وروبرتو مينيرفيني (على سبيل المثال لا الحصر)، الذين تابعوا وحدثوا بشكل مدروس التقاليد الواقعية الجديدة للقرن الواحد و العشرين دون خيانة الأشكال والحساسيات الراهنة في القرون السابقة.
من هذه الفئة الناشئة من صناع السينما، كان مارسيلو أحد الذين يصعب تحديدهم، فقد تلقى تدريبا فنيا في الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة، حرفة بدأ تدريسها في سجن نابولي بعد تخرجه. بدأ مارسيلو بصنع أفلام وثائقية قصيرة في عام 2003 والتي طورت عمله مع المنبوذون اجتماعيا (خاصة من المشردين)، وخلال عقد من ممارسته صناعة الأفلام، أنتج حتى الآن، أربعة أفلام متوسطة بالكاد تشتمل روائية طويلة بالإضافة إلى حفنة من الأفلام الوثائقية القصيرة، تجمع بين الموضوعية و الجمالية. ويمكن وصف افلامه كأرواح جوالة، سقطت في عوالم من الأرشيفات، الذكريات، المثل المتلاشية، صنعت بشكل حدسي لتتماشى مع الدوافع والانحرافات المفاجئة الخلاقة لمارسيلو.
بعبارة أبسط، فان سينما مارسيلو هي انسانية عميقة ورومانسية، متأثرة كما هي بالفن الأنطباعي ألاصيل الإيطالي في أواخر القرن التاسع عشر. ولكن خشية أن تفسر أفلامه على أنها ضبابية، ضبابية غير متبلورة كأجمة من النباتات التي تنمو في المناطق الجافة، يجدر التأكيد على أن أعماله ملمة إلى حد كبير بمجالات معينة من الشكليات السينمائية كما هي ملمة بحنين إلى التقاليد الجمالية الأثرية. بعد عامين من دخول مارسيلو الى وعي المولعين بالسينما غير الإيطالية مع (فم الذئب) (2009) حيث قدم لأول مرة فلما وثائقيا مدته 52 دقيقة عن السيرة الذاتية للأرميني أرتفازد بيليزيان. وفي (صمت بيليزيان) (2011)، تحدث عن فنان المونتاج الأرميني العظيم. خدم هذا المشروع غرضين، فقد قدم مجموعة نادرة من الصور، النظرات، التأملات والاقتباسات النظرية من حياة المخرج والعمل، في الوقت نفسه، ساعد الفيلم على تركيزالمنهجيات والفلسفات الخاصة لمارسيلو ضمن سياق بيليزيان، وليس أقلها توقيعه «مونتاج البعد.» وهكذا بينما هناك عدد قليل من التشابهات السطحية بين عمل المخرجين الأثنين «مدى أعتماد كلا منهما على اللقطات الأرشيفية»، فالاسلوب الذي يتتبعه مارسيلو هنا يتركز على مبادئ الهيكلة التي توجه أفلامه من الصورة والصوت «الفضاءات» التي يميل بيليزيان لوصفها على انها كتل كروية مضادة للخطية.
يعارض بيليزيان علنا المقارنات الحتمية التي تتم بين مبادئ مونتاجه والاستراتيجيات التي يستخدمها سيرجي آيزنشتاين ودزيكا فيرتوف، كما يقول، هذا الاتهام الذي يبحث عنه لا يكمن في الاجتماع المكاني للقطات المجاورة، أي في المقطع. عندما تحدث بيليزيان مترددا عن صناعته السينمائية «أنه على الرغم من أي اثنين من هذه العناصر السينمائية قد لا يلتقيان مباشرة أبدا، فانهما سوف يعملان بالتوازي، يحدقان في بعضها البعض، ويتحركان إلى الخلف والأمام في وقت واحد». يعنى مونتاجه بالانخراط مع ذكريات المشاهدين على المدى الطويل بدلا من ذكرياتهم على المدى القصير، ازدواجية الطلقات والأصوات التي قد تحدث بفرق دقائق عن بعضها البعض، اضافة الى ضم العناصر الماضية والمستقبلية في الوقت الحاضر الذي يغلف تأثير بيليزيان الحيوي على سينمائية مارسيلو. والفرق هو أنه، في حين يتم في سينما بيليزيان قطع العناصر داخل أي فيلم من أجل تكوين وهم التزامن، فان موضوعات مارسيلو (الأماكن، أثار الذكريات) لا تزال تحمل المسافات الزمنية من العقود و القرون التي تقف بينها.
وبالنظر الى الطريقة المنهجية الأرتجالية التي يفضلها مارسيلو، فان هذا الفيلم لم يكن تماما هو ما خطط لصنعه، فقد صمم شيئا أكثر انسجاما مع أوائل أفلامه الوثائقية، أو حتى أول مشروع فيلم طويل له (عبور الخط) (2007)، (الوزارة الحديدية الأيطالية) (2014) الذي يمزج لقاءات مع العمال المهاجرين راكبين قطارا مع النظرات المتأملة التي تدور عبر النافذة الزجاجية على الرعويات الداكنة في حافلة ليلية. وفي ( فم الذئب) صاغ مارسيلو المشروع بما هو أقرب إلى صورة المشردين في المدينة، المهمشين، والمتشردين. مدينة ساحلية مواجهة للجنوب-الإيطالي، كما وصفت جنوا على مدى العقود الماضية من خلال صلتها بموضوع الهجرة وتوحيد طبقات المجتمع والجريمة اضافة الى التشرد الذي يعود ثانية بعد ان قدمه في فيلمه (عبور الخط). و مع ذلك، يغدو فيلم (فم الذئب) ترقيعا نشطا للحيوات الماضية، جاءت مصادره حصريا من الأراشيف.
يبدأ الفيلم مع لقطة متنقلة من زاوية نظر جاموس رضيع، سارجيابوني، بينما يدخل ممر الحظيرة الفولاذية، ويستقر أخيرا في يومنا هذا في كاسيرتا (مسقط رأس مارسيلو) في قصر فخم من القرن الثامن عشر. مرة أخرى، يرى مارسيلو ان هذا الفيلم لم يكن هو ما خطط له، لكنه تمكن من ملئ الفضاء بين الوثائقية و الشكلية الشعرية-رابطا الطرفين الى ما يصبح صورة أكثر مسرحية، أسطورية حول المصير الحزين للعالم الواقعي.

* ترجمة: أبوالحسن أحمد هاتف

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة