الانقسامات السياسية.. هل هي مرعبة؟

تسود حالة من الانقسامات السياسية ليس بين المكونات او بين القوى السياسية والاحزاب فقط، بل داخل المكونات ايضاً.. وغالباً ما تسيطر النقاشات عن الخلافات السياسية على اللقاءات والاجتماعات والمنتديات المختلفة.. فهل هذه علامة جيدة، ام سيئة؟ وهل هو امر مرعب ان تطفو الخلافات على السطح ليتداولها الناس والمواقع ووسائل الاعلام.
من يفتش عن الاطمئنان يمكنه القول بان الخلافات امر طبيعي، ومسألة تلازم اجواء الحريات والديمقراطية.. ففي النظم الاستبدادية تتقنع الخلافات وتجري تحت السطح، لكنها عندما تظهر وتعبر عن نفسها، فغالباً ما يكون ذلك بوسائل عنيفة مدمرة.. وغالباً ما تمر البلدان بمراحل من الفوضى والتأييد الاعمى لبعض الافكار التي يتم تبنيها تحت ضغط الخلاص من الاسوأ.. لذلك تكسب الامم على المدى الطويل عندما تجري الخلافات على السطح.. فهي تشكل حالة تنفيس تخفف من الافعال وردودها، وتسمح بالحكم والتمحيص على الكثير من الخلافات.. فتتقدم الاراء الناضجة والسليمة، وتتراجع الاراء الخادعة والخاطئة.. مما يسمح بتفكيك الكثير من الاوهام والاحتقان والتجارب الفاشلة. كذلك يمكن لمن يفتش عن الاطمئنان القول ان الدول جميعها تشهد هذه الحالة من الخلافات والتدافعات، والتي تصل احياناً الى مستويات لا تقل، ان لم تكن اكثر مما لدينا.. وهناك محاججات اخرى لا داعي للاطالة فيها.
اذن هل هناك اطمئنان بان ما يجري امر طبيعي؟ وهل ان ما يتم تداوله عن حق من اختلافات داخل جميع القوى السياسية من دون استثناء هو امر محمود؟ وان الانقسامات الجارية في كردستان اليوم هو ما يجب ان نراه؟ وان الانقسامات في الوسط السني هو شيء مطلوب؟ وان الخلافات في الوسط الشيعي هو لمصلحة البلاد، وان ذلك كله هو مجرد تعبير عن الحريات والديمقراطية؟ وهل ان التنابز بين المكونات وحالات الخوف والحذر بعضها من بعض، وسلوكيات الانكفاء على الذات هي حالات لا تهدد وحدة البلاد؟ وهل ان ما يجري في الحالة الاقليمية من تفكك وحروب داخلية كما في العراق- لا يشكل منطقاً لمزيد من الاقتتال والمزيد من التداعيات الخطيرة، التي تجعل الخلافات مقلقة بل مرعبة حقاً.
نعم هناك اخطار جدية.. وان بعضنا -لجهل او لغرض- يريد ان يخترق حتى السقوف المقبولة الضامنة لوحدة البلاد ومصالحها الاساسية، والتي يجب ان لا تسمح للخلافات ان تتجاوزها.. سواء اكانت داخل الاحزاب والقوى السياسية، او بين القوى والمكونات، او بين العراق ومحيطه. ونعتقد ان التجارب قد برهنت بان البلاد ليست سائبة.. لا وطنياً ولا اقليمياً ولا دولياً.. وان القيادات والمتصدين والمسؤولين يجب ان لا يسمحوا بأن يكونوا ادوات لخلافات تخترق السقوف المقبولة وطنياً واقليمياً ودولياً، والا سيدفعون هم، كما ستدفع البلاد الثمن. وان تجربة «داعش» في احتلال الموصل خير دليل على ذلك. فأي غرور او عناد هنا سيكون سلوكاً قاتلاً.. وأي خلاف لا يسمح بالوصول الى حلول وتسويات، ولا يقود سوى الى الفوضى والصراعات هو خلاف يتجاوز السقوف المقبولة، ويجب ان نتصدى له جميعاً لنعيده الى نصاباته. فتحت سقف معين يسمح لكثير من الاختلافات.. اما خارجه فان نمو حالات هجينة ومواقف متطرفة ومتفردة، ستقود بالضرورة الى مآلات مدمرة وقاتلة.. والتاريخ كله شاهد على ذلك.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة