كيف نحترم القضاء؟

سلام مكي *

بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية وتشكل وسائل الضغط الجماهيري والشعبي لمطالبة الحكومة بإصلاح الوضع السياسي العام، اصبح القضاء العراقي طرفاً في الجدل القائم حول مسؤولية ما آل اليه الوضع. فتحول الى جزء من المشكلة عبر تحميله مسؤولية الكثير من الاخطاء التي ارتكبتها الحكومة السابقة. وهذا بحد بذاته، أمر خطير لدرجة انه لا يهدد النظام السياسي فحسب، بل الدولة بأكملها، فلا يمكن لأي بلد فرضت عليه الديمقراطية عنوةً وتمسك هو بها، ان يكون قضاؤه جزءاً من المشكلة التي يعاني منها، في وقت يفترض انه جزء من الحل. وهو ما أدى بالنتيجة الى فقدان الثقة بالقضاء الى حد ما. فهناك الكثير من علامات الاستفهام حول بعض الاحكام التي اصدرتها المحاكم العراقية اضافة الى الهيكل الأداري والتنظيمي للسلطة القضائية وطبيعة موافقتها للدستور والقانون. اذ هناك قرارات اصدرتها المحكمة الاتحادية العليا أسهمت الى حد كبير في تغيير الخارطة السياسية وفسرت على انها تصب في مصلحة جهة سياسية معينة. اضافة الى عمل مفوضية الانتخابات واللجنة القضائية فيها عبر استبعاد مرشحين عدّها البعض غير قانونية. الجمهور ونتيجة لتطور الاتصالات وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، اصبحت على دراية بكل شاردة وواردة في عمل القضاء، فأي قرار يصدر يتعلق بسياسي او عملية فساد، سينتشر في اليوم التالي لصدوره في مواقع التواصل الاجتماعي، لتتوالى التعليقات التي يتضمن الكثير منها اساءات بالغة بحق القضاء. حتى ان هناك حقوقيين ومحامين، يتكلمون بالطريقة نفسها التي يتكلم بها المراهقون وصبية الاعلام والثقافة. نعم هناك احكام تخالف القانون، يحسبها البعض انها مجاملات للسياسيين، لكن هل يعقل اننا نشتم جميع القضاة بسبب قاض اصدر حكماً مخالفاً للقانون؟ هل يمكن لرجل قانون يمارس المحاماة او يمثل دائرة قانونية في وزارة حكومية يتهجم على القضاء بأكمله نتيجة لعدم تجريم محافظ او وزير؟ اذا لم يعلم رجل القانون ان القضاء يتكون من العديد من المحاكم وليس من محكمة الجنح او الجنايات، فمن يعلم؟ فقاضي البداءة او الاحوال الشخصية، عندما يصدر زميله قاضي الجنح حكما بالإفراج عن مسؤول معين، سيتفاجأ بأن الجميع يشتمه بسبب هذا الحكم الذي لا ذنب له فيه، ولا علم له بحيثياته. وحتى القاضي الذي اصدر الحكم المخالف للقانون من وجهة نظر الشارع، هل يستحق ان نشتمه ونشتم كل المؤسسة التي ينتمي لها؟ ثم ان قراره هذا، ليس باتاً، اذ هناك تمييز وتصحيح قرار تمييزي وتدخل تمييزي من قبل محكمة التمييز الاتحادية في بغداد، يمكن من خلالها الطعن بحكمه اكثر من مرة، ويستطيع المعترضون على الحكم ممارسة هذا الاجراء بدلا من شتم القاضي. نعم من حقهم ان يعترضوا، لكن ليس من حق احد شتم احد، مهما كانت الاسباب. كنا نتمنى على المعترضين على احكام القضاء خصوصاً رجال القانون ان يتحلوا بالثقافة القانونية والوعي القانوني، قبل ان يقرروا شتم القضاء. وهنا نكرر ما ذكرناه سابقاً، ان الادعاء العام يجب ان يقوم بواجباته في النيابة عن المجتمع، فهو اصلا يسمى في عدد من الدول بالنيابة العامة التي تنوب عن المجتمع ككل في الطعن بأحكام القضاء التي تخالف القانون حتى لو مضت عدة سنين على صدور الحكم. وهذا الحق، يجعله اقرب الى الشارع وتطلعات الجماهير منه الى القضاء والمحاكم، فعمل الادعاء العام ليس في المحاكم فقط بل في كل مكان، وواجبه اشباع الحاجات العامة المشروعة والتي توافق القانون، حتى لو كانت على حساب السلطات بأجمعها. ولكن: هل يمارس الادعاء العام هذا الدور؟ هل ينحاز الى الجماهير ام للقضاء؟ وهذا لا يعني ان القضاء ضد الجماهير، بل العكس تماماً، لكن في حالات خرق القانون. وحتى القضاء فهو يصدر احكامه باسم الشعب والقضاة مأذونون بممارسة القضاء باسم الشعب لا باسم الدستور ولا الحكومة ولا البرلمان. الشارع يريد من القضاء حماية امنه ومصالحه العليا والوقوف بوجه السياسيين لا العكس. ويريد من المثقفين ورجال القانون الذين يملكون وعياً قانونياً وليس الذين يحبسون انفسهم بين جدران المحاكم ان يبين الاخطاء والمخالفات التي تقع بها السلطة القضائية بكل تشكيلاتها بلغة مهذبة بعيدة عن الاساءة والتجريح ومسنودة بالنصوص القانونية والدستورية، اذ اننا نطالع شتائم وكلاماً بذيئاً بحق القضاء لا يمس جوهر المشكلة ولا يساعد الجماهير على فهم الخطأ الذي وقع به القضاء حتى يمكنهم المطالبة بإصلاحه. بالمقابل، نتمنى على القضاء ان يقترب من الجماهير اكثر، وان يقرأ ما يقال ويرد على الذي يستحق بدلا من السياسة التي يتبعها حالياً وهي الصمت. اذ ان الاعلام اصبح حقيقة وسلطة لا مفر منها، وتجاهلها لا يصب في مصلحة احد. فالقانون نفسه يطالب من يرمى بالاتهام ان يدافع عن نفسه لا ان يصمت. ان احترام القضاء يجب ان يكون من قبل الجميع ابتداءً بالقضاة انفسهم ومن ثم المجتمع، وهذا الاحترام يأتي من خلال الابتعاد عن التجريح والاساءة بل بالتقويم والنقد البناء.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة