قراءة في ديوان (جرار الضوء) للشاعر اللبناني محمد غبريس

الذكريات.. خبيئة الوقت
حمادة عبد اللطيف

في هذه القراءة أحاول أن أغترف بعضاً مما في جرار محمد غبريس من ضوء، لأعيد تسليطه مرة أخرى علي مفاتيح التأويل التي ألقاها في طريقنا ـ بقصد أو بدون ـ والتى أظنها منتشرة في نصوصه الشعرية التي يتضمنها ديوانه، على الرغم من أن جراره مضيئة، إلا أن هناك أحيانا زوايا عتمة تتخلل ثنايا ومنحنيات الجرار، حيث يصبح من الضروري أن نقتفي أثر تلك العلامات التى تمنحنا إياها الذات الشاعرة بين فترة وأخرى، لتجعل من فعل القراءة متعة ادراكية، فالقدرة على استخلاص ما تشير إليه الدلالة ـ حتى في أبسط صورها ـ يحدث حالة من الوجد لدى المتلقي.
يطرح غبريس من خلال ديوانه (جرار الضوء) تجربة ثرية، تحتفي بمخزون الذكريات بشكل مختلف ومغاير، حيث نجده يطل علينا برؤيته الخاصة للفعل الإنساني، ومحاولة التعبير عنه في معادلة تجمع بين العمق والرقة، بعيداً عن الفلسفة اللغوية، وتداخل التراكيب التي لا تؤدي ـ فى معظم الأحيان ـ إلا إلى ذاتها فقط، فالطرح هنا أقرب ما يكون إلى مقطع عرضي يشمل ومضات من خبرات حياتية، تتجاور أحياناً وربما تتباعد، تتماس فيها خيوط الذكريات مع الواقع المعاش، بشكل تتابعي أحياناً، وأحياناً أخرى بشكل متواز، فالحديث عن الذكريات هنا لا يتخذ منحى تقليدياً يعتمد على سرد الماضي واجتراره والتباكي عليه، بل هو رؤية لهذا الماضي من منطلق الواقع المعاش بعيداً عن عقد المقارنات بين ما كان وما هو كائن، ومن ثم كان لهذا التراوح تأثير واضح على لغة الكتابة التى تبنت ـ في أغلب المواضع – ثنائية التعبير كبديل للمقارنة التى أحياناً ما تكون غير منصفة.
يحاول الشاعر هنا – الحديث متعلق بالذات الشاعرة بعيداً عن شخص الشاعر، ربما تشابها في عدة أمور أو اختلافاً – يراهن علي خبيئته التي أودعها باطن الجرار، هذه الخبيئة التي يغترف منها بقدر ما يريد، وقد أودعها ذكرياته ومشاعره وأحلامه وحتى اخفاقاته، حيث تتشابك كل الخيوط، وتتقاطع معظم الطرق، حتى يصبح من الضروري ايجاد خارطة تساعدنا في التجول بين المتشابك والمتقاطع لنصل إلى نسق دلالي منتج، ومن ثم لعبت المفردة دوراً هاماً فى آلية الكتابة، حيث كان الاحتفاء بالمفردة عنصرا واضحا في الطرح اللغوي، الذي لم يخل من الاشارة إلى هذه المفردة البطل إما من خلال السياق الدلالي، أو علي مستوى المفردة بذاتها، إذن ليس من المستغرب أن تأتي عناوين كل القصائد علي شكل مفردة لغوية، مثل: (ميلاد، كفاك، اعتراف، صهوة، رصاص، أبي، نور…)، لذا فملمح التكثيف يظهر بوضوح من خلال هذه العناوين المختزلة التي ربما تساهم في استيعاب هذا الكم الهائل من الذكريات وإعادة طرحها بصورة مكثفة، بحيث لا تنال من مضمونها الدلالي.
في بداية النصوص تظهر محاولة ما، يبدو أنها لإرساء التعارف مع من يتطلعون إلى ما بداخل الجرار، فلا تسمح الذات الشاعرة للفضول أن يعتريهم كثيراً، فتأتي المبادرة مفاجئة للمتلقي وموعزة إليه بأن البوح سيكون عن طيب خاطر دون الحاجة إلى سؤال، فالأعوام المليئة بالمشاهد المختلفة تتدفق وتنساب بسلاسة، فنجده في نص (ميلاد) يقول:

لا تسألوني
كم مضى من عمرك المبتل
بالأحلام
إني الآن
أسبح في خيالات الثلاثين
التي تقتادني للبوح والذكرى
يمرالوقت كالريح الشريدة
يجيء على طريقته
بصمت وانفلات

وهذه الحالة تظهر فى مواضع كثيرة في الديوان، لذا يمكن أن نطلق عليها سمة من سمات هذا العمل، وأظن أن هذا الحنين بهذا الطرح يخرج من كونه تباكيا على ما فات مغموراً بعاطفة جياشة نحو الفائت، إلى نسق دلالي أكثر اتساعاً يحتمل أن تتجاور فيه الجمالية الشعرية في التعبير مع مصداقية الطرح.

وفي في نص (مسودة) يقول:

عرفتك
بعد أن ضيعت من عمري
سنينا
باحثاً عن صيغة أخرى
تليق بنا
فلم أعثر على لحن
ولكني
عثرت على مسودة
لنصف قصيدة غضبى
وبعض خرائط
للذكريات

ومع تعدد المواضيع التي تتعرض لها نصوص غبريس في ديوانه (جرار الضوء)، إلا أن النزعة الرومانسية لا تغيب عن أسلوب الكتابة، بل هي مكون أساسي من مكونات التناول الأسلوبي، حتى في أكثر المواضيع التصاقاً بالواقع، يبرز الملمح الرومانسي ليطبع بصمته على مشهد الكتابة، نجده في نص (بيروت) يقول:

هنا بيروت لاهثة
وحيرى
تلملم دمعها طيراً
فطيرا
هنا ويل لأمتنا
تخلت
هنا الشهداء يقتطفون
فجرا
كلانا فرقتنا الحرب
ظلما

توقعت أن تعلو نبرة السردية باعتبارها أسلوباً يتواءم مع ما تتناوله نصوص غبريس في ديوانه (جرار الضوء) من مواضيع وأفكار تتخذ من الذكريات واستدعائها والاشتغال عليها نهجاً رئيسيأ، إلا أن عنصراً آخر ظهر بكثرة في هذه النصوص ألا وهو المشهدية، حيث نجد أن معظم النصوص تستند على تلك الآلية التي تمنح خيالاتنا عيوناً لنرى بها ـ هذا إذا ما تم توظيفها بشكل جيد يخدم النص ـ وقد كان توظيفها هنا موفقا، حيث ساهمت في تجسيد الصورة الذهنية التي تطرحها النصوص، كما أنها أيضاً تعطي مساحة أرحب لخيال المتلقي لكي يشارك ايجابياً في إعادة انتاج أنساق دلالية تخصه هو – بعيداً عن طرح الشاعر ـ من المحتمل أن تتشابه هذه الأنساق الدلالية أو تختلف قليلاً أو ربما تتعارض تماماً.

ويقول في نص (أبي):

وحيداً هناك
يلم
بداياته وحكاياته
لا يكف
عن الصمت والذكريات
الحزينة
ويحمل أنشودة الحزن
في رئتيه
وأغنية من بقايا المدينة
كأن ابي يحرث البحر
في مقلتيه
يشق طريقاً إلى الحلم
يصمد كي لا تميل
السفينة

* كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة