الأخبار العاجلة

المحيط الإقليمي ومستقبل تنظيم داعش في الشرق الأوسط

مع غياب الاستراتيجية العربية المشتركة

ترجمة: سناء البديري*

في دراسة نشرت على موقع معهد واشنطن للدراسات اشار عدد من المراقبين لتسلسل تطور تنظيم داعش في الدول الشرق اوسطية واهمها العراق وسوريا الى ان « استراتيجية تنظيم «داعش» وقدراته السياسية والعسكرية وعقيدته الفكرية المتطرفة بُنيت على أنقاض الدول العربية الداخلية والخارجية وتخلف أنظمتها السياسية؛ بسبب استمرار سياسة التعارض العربي والتفكك الخارجي وغياب الاستراتيجية العربية المشتركة، والانشغال بالصراعات الداخلية والتنافس المذهبي، والابتعاد عن الحوارات المشتركة، وضعف التنمية السياسية، وعدم تفعيل الروابط العربية المشتركة، مما خلق فراغات استطاع التنظيم استغلالها في إعلان دولته.»
كما اضافوا «هناك مرحلة جديدة من مراحل الصراع في منطقة الشرق الأوسط تجسدت بظهور تنظيم «داعش»على الساحة الدولية بنحو عام والمنطقة العربية بنحو خاص، بعد سيطرة التنظيم على أجزاء واسعة من سوريا. وقد امتد خطر التنظيم إلى العراق، بعد ما اجتاح عدداً من محافظات العراق الشمالية والغربية مثل محافظة الموصل والأنبار وبعض مدن صلاح الدين وديالى، قبل أن تتمكن قوات الأمن العراقية من طرد التنظيم من بعض المدن مثل تكريت وضواحيها، وكذلك محافظة ديالى، ومدينة بيجي الاستراتيجية مؤخراً، إلا أن التنظيم ما زال يسيطر على عدد من المدن والبلدات العراقية في الأنبار، وكذلك مدينتي «الشرقاط والحويجة» الحدوديتين مع محافظة الموصل، واللتين تخضعان لسيطرة التنظيم منذ حزيران/ يونيو 2014.
وحسب رأي المراقبين أن «المحيطين الإقليمي والدولي لم يبادرا بعد إلى إنهاء «داعش» بنحو جدي؛ لأن التنظيم ليس له القدرة بعد بنحو فعلي في اجتياح المحيط الإقليمي أو اجتياح بعض دول الخليج والمنطقة العربية كما هو الحال في سوريا والعراق، ولم يهدد بعد المصالح الأميركية والغربية بنحو مباشر؛ ولذلك لم يبادرا (المحيطان الإقليمي والدولي) إلى خوض مواجهة مباشرة ضده، كما هو الحال بالنسبة لروسيا بعد انخراطها العسكري في سوريا، والانخراط الإيراني في العراق، على الرغم من أنهما لا يهدفان إلى إنهاء التنظيم، وإنما يهدفان إلى احتوائه. وربما هذا الانخراط العسكري الروسي في سوريا بمساندة إيران سيزيد من الضغط على واشنطن في إنهاء «داعش» في العراق، ولربما عبر التدخل البري إذا تطلب الأمر.»
ومن جهة أخرى اشار المراقبون أن» التنظيم استطاع استغلال نقطتين مهمتين وهما الحضور الإيراني في العراق والغياب العربي؛ لأنه (أي التنظيم) وظف فكرة التدخل الإيراني المستمر في العراق لصالحه في كسب الإرادة السنية بنحو عام. في موازاة ذلك، استفاد من حالة الانقطاع السياسي والدبلوماسي بين العراق والعرب بعد العام 2003. ولهذا وفي ضوء هذا التشخيص لمكامن القصور الداخلية والخارجية يمكن أن يحدد مستقبل تنظيم «داعش» من خلال المعالجة الفعلية لتلك القصور في السياسات.» ففي العراق يشدد المراقبون بالقول استطاع تنظيم «داعش» أن يبني كيانه، نتيجة الاختلاف السياسي وعدم الاتفاق بين القوى السياسية العراقية على مشروع بناء الدولة، وغياب رؤية صانع القرار العراقي على مدار السنوات الماضية، والتهميش السياسي والاقتصادي، وتغييب المصالحة الوطنية، وتسييس كل مؤسسات الدولة ولاسيما المؤسسة العسكرية والقضائية، وتغييب مفهوم المواطنة والمشاركة الحقيقية في بناء الدولة، وضعف المؤسسات الدينية في أداء دورها الديني والفكري.»
ولكنهم أكدوا أن «هناك تحديات تواجه «داعش» حالياً وستنعكس على مستقبله السياسي والعسكري والآيديولوجي، منها العقيدة المتطرفة للتنظيم، ونسف الآخر وعدم الاعتراف به، والنفور الاجتماعي، والممارسات الإجرامية، وانعزاله وانغلاقه الفكري والآيديولوجي، ورفضه لكثير من مزايا التطور التكنولوجي المعاصر، ورفع شعار «باقية وتتمدد»، جاعلاً من كل الدول العربية والإسلامية والأوروبية هدفاً لدولته المستقبلية، فضلاً عن التحديات الإقليمية والدولية. وهذا بالتأكيد سيقوّض فلسفة التنظيم فكرياً، ويحجّم قدرته العسكرية في التوسع والتمدد، سواء بالنسبة للبيئة المحلية العراقية أم بالنسبة للمحيط الإقليمي والدولي.»
هذا يعني حسب رأي المراقبين أن» تنظيم «داعش» يشرع لمستقبل بعيد في بناء وتنظيم دولته على العكس من تنظيم القاعدة والتنظيمات الأخرى. فهو يعمل بخطوط متوازية في بناء مستقبله كدولة، وهذه الخطوط تتحدد من خلال المواجهة العسكرية ضد القوات الوطنية بالتوازي مع فرض سلطته السياسية والعسكرية والدينية في مناطق نفوذه، سواء بالترغيب أم بالترهيب، بين تقديم الخدمات وسلب الحريات. وفي ظل هذين الخطين المتوازيين، يعمل التنظيم على استغلال القوة الناعمة في جذب المتطرفين التي تزيد من قوته بنحو كبير.» وبهذا يمكن تحديد مستقبل تنظيم «داعش» في العراق حسب رأي المراقبين عسكرياً من خلال الإسراع في إنهاء المواجهة العسكرية ضد التنظيم وحسمهما بالسرعة القصوى؛ لكي لا تستنزف القوات العراقية في معارك كر وفر وينفد صبرها من طول المعركة وتستنزف قدراتها بالخطط العسكرية الفاشلة.»
أما سياسياً فيرى المراقبون أن « إنهاء الصراع السياسي الداخلي بين القوى السياسية ودعم الحكومة العراقية في القيام بإصلاح سياسي واقتصادي شامل والاتفاق على مشروع دولة حقيقي.»
اما فكرياً فقد اشاروا الى أن «عقد الاجتماعات واللقاءات الدينية بنحو دوري مستمر بين المرجعيات الدينية «السنية والشيعية» والعمل على تقريب وجهات النظر ونبذ التطرف والابتعاد عن كل ما يُسيء إلى التاريخ الإسلامي ورموزه الدينية، ولا شك أن الأزهر والنجف تقع عليهما المسؤولية الأكبر في ذلك.»
واخيراً اختتموا قولهم الى أهمية الدعم العربي والإقليمي:حيث ان الإصرار على البعد الإقليمي والعربي في تحديد مستقبل «داعش» في العراق مهم جداً بالنسبة للحكومة العراقية؛ لأنه من غير الممكن القضاء على التنظيم داخلياً في ظل استمرار الحواضن الإقليمية للتنظيم، أو الاستمرار في التقاطع العراقي-العربي. ولعل المشكلة إقليمية أكبر مما هي مشكلة سياسية واجتماعية «داخلية» بالنسبة للعراق.وبهذا، من الممكن أن يقوّض العراق فكر تنظيم «داعش» ويتمكن من احتوائه داخلياً، ومن ثم السعي إلى التفاعل العربي المشترك في معالجة مستقبلية لكل الحركات المتطرفة خارجياً، وهذا من شأنه أن يسهم في عملية الاستقرار الإقليمي في المنطقة بنحو كبير.»

* عن معهد واشنطن للأبحاث والدراسات الإستراتيجية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة