(النهوض المرتفع) السقوط الحر للإنسان المعاصر

توم تشيريتي\ مجلة سكوب
ترجمة: أبوالحسن أحمد هاتف

“بينما كان جالسا في شرفة منزله يأكل الكلب، راجع الدكتور روبرت لينج الأحداث غير العادية التي وقعت داخل هذا المبنى السكني الضخم خلال الأشهر الثلاثة السابقة.”
هذه أيها الأصدقاء هي الجملة الافتتاحية التي يفتتح بها الكاتب (جاي جاي بالارد) فيلمه، وهو في أفضل حالاته، لهجة صادمة تجمع بين “التحضر الدموي”، مع شئ من الهمجية. “رجل يأكل كلبا!”
حان الوقت لرواية (النهوض المرتفع) أخيرا. نشرت في عام 1975 (وهو العام نفسه، الذي قام فيه ديفيد كروننبرغ، وعن غير قصد، باثارة ضجة في روايته (الرعشات)، والرواية هي نوعا ما نسخة ناضجة عن “لورد الذباب” يعيش في حي بابراج سكنية فاخرة، تعكس سلبيات الحياة المعاصرة, مستبدلة بهذا جزيرة ليم جولدنج المليئة بحطام السفن. وعوضا من الاطفال، هناك شريحة من الساقطين، اليساريين، وأفراد الصالونات الذين يتخلون عن اللياقة، و يأخذون بتمزيق بعضهم البعض الى اشلاء في لحظات المواجهة.
المنتج جيريمي توماس كلف في بادىء الأمر بول مايرزبيرغ بتبني رواية بالارد لفيلم نيك رويغ، لكن رويغ بدلا من ذلك تعاون في وقت لاحق مع توماس ومايرزبيرغ في فيلم (يوريكا)في 1982. وبعد ما يقارب 40 عاما يصيب بالارد هدفه في حكايته الرمزية المثالية عن مجتمع يزداد انطواءا من الناحية التكنولوجية، مجتمع نرجسي، ومستقطب اقتصادي، فتقع مسؤولية الرواية هذه المرة على ايمي جمب وبن ويتلي.
إذا كان الفيلم يبدو وكأنه ضرب من الخيال المنحرف في وصف بريطانيا أدوارد هيث المعتدلة، فهو يبدو نبويا في الاستذكار للتاريخ، فالصحف مليئة بالقصص المخزية عن السيد هيث الراحل وحلقة الاستغلال الجنسي للأطفال التي تعمل في أعلى المؤسسة البريطانية.
باسلوب التناقض المشوق والغوص في عالم أقرب الى الهلاك، احتفظت ويتلي ببهرجة فترة السبعينات؛ حداثة ملموسة خارجيا تتنافس مع خلفية مبهرجة وكهرباء “مختلة” – حيث نفذت نفذت حكومة هيث “أسبوع ألايام الثلاثة،” من يناير إلى مارس عام 1974 في تقنين الكهرباء ردا على إضراب عمال مناجم الفحم). يأتي (النهوض المرتفع) ليصف ذكريات بريطانيا في السبعينات من خلال هجاء لاذع: حفلات تبادل الزوجات البرجوازية اليائسة، الصراع الطبقي الساخن، مع جبال من القمامة (كان عمال التنظيف قد شاركوا في الأضراب أيضا). كل هذه الاجواء ترافقها أغنية فريق ABBA “SOS” (والتي تعني نداء أستغاثة) في اشارة رمزية الى الزمن “عام 1975”. يشعرنا الفيلم بعصرنا أيضا، ويأخذنا الى نظرة إلى الأمام (وليس إلى الوراء)، إلى الزمن المضارع لنرى كل شئ: وحشي، فوضى، أكل لحوم البشر، ومحكوم عليه بالفناء. كما يقول بالارد ان كل ذلك يوجد في “مستقبل قد جرى بالفعل واستنزف الآن.”
بطل الفيلم، لينج الدمث (توم هيدلستون) يختار العزلة التي فرضها على نفسه في شقة كبيرة ولكنها فارغة ومجهولة في الطابق الخامس و العشرين، وبذلك يصبح جزءا من الطبقة الوسطى، من مجتمع طبقي متشدد ولكن، كونه الرجل العازب الجيد والطبيب المتخصص في أمراض الدماغ، يوهم نفسه بأنه متنقل. لينج ممزق بين انجذابه نحو شارلوت الأم الوحيدة المثيرة (سيينا ميلر) التي تسكن في جناح قريب من المهندس المعماري للمبنى رويال (جيريمي ايرونز)، وتعاطفه مع مخرج الأفلام الوثائقية المتواضع ريتشارد وايلدر (لوك إيفانز) وزوجة ويلدر هيلين (إليزابيث موس). مثل معظم الأسر، آل وايلدرز يعيشون في قاعدة المبنى، في الطابق الثاني. ويبدو مبنى (رويال) اشبه بقطار من محور أفقي إلى محور رأسي يتصدر اعلاه الاثرياء بما يشبه اللوردات.
قد يكون الفيلم اشبه بحماقة عندما يشبه فيلم (فيوري رود) من دون مطاردة، ثم تتداعى القصة عندما يقود وايلدر مجموعة من الاطفال لإقتحام حفلة مسبح خاصة. و يبدو ان بالارد لا يبحث عن القضية والتأثير، فالاحداث تنبثق من الصورة، وتبعث القرف احيانا عندما ترافقها حالات وفاة. “لا شيء لا يمكن كنسه تحت البساط” هي حكمة اليوم، ولكن في كل مكان تنظرون اليه، فأن هذه الحياة العالية في البرج المرتفع تتداعى: المصاعد لا تعمل، الأضواء مطفأة، الرفوف في محل البقالة في الطابق الأرضي فارغة، العلاقات تتداعى، يفلت زمام الامور فتخرج الحفلة عن نطاق السيطرة. ويصر (رويال) صاحب البرج المنهار على أن بناءه هو تجربة، و”لا يزال قيد التعديل” رافض االاعتراف بانه مخدوع، فينهار البرج والفيلم في مشهد قاسي من الدمار.
ان افضل ما يمكن وصف الفيلم هو انه كوميدية سوداء ذات ميزانية منخفضة، “تهكمات” اجتماعية حادة محددة في أنكلترا الطبقة متوسطة والدنيا حيث تصبح الحياة أقتل أو تقتَل. فيلم (النهوض المرتفع) فيه تلك النظرة العالمية التي ترسخها جملة البداية ” الكلب يأكل الكلب” وبهذا يشترك مع الكثير من الأفلام السابقة في السبيل الغير العقلاني، الانطلاق، الاسلوب الحسي في تجسيد الجزء المظلم في إنجلترا. وقد يبدو من غير المعقول ان ينجز ويتلي مخرج الفيلم، فيلمه بميزانية منخفضة جدا، لكنه ويتلي الذي يطلق العنان دائما لخياله كما هو الحال في أفلامه ألأربع السابقة مجتمعة.
في مشهد مهم، نشاهد لينج يمارس تجارته موضحا كيف يبدو رأس الإنسان إذا قشر الجلد عن الوجه، وهو ما يعود بالكاتب بالارد الى أيامه كطالب علم التشريح. ولكن المشهد يأتي ليثير اشمئزازنا وفي نفس الوقت يثير رغبتنا بالمراقبة. فيغدو (النهوض المرتفع) أتهاما لاذعا ذو طابع شبيه بقصص جوناثان سويفت في نقده لرأسمالية السوق الحرة، مجتمع ملفوف بعناية حتى أن “الناس عادة لا يهمهم ما يحدث فوقهم أو تحتهم،” والمجتمع في حالة سقوط الحر. لكنه أيضا أكثر من ذلك: هو دراسة نزيهة للحيوان البشري بكل أنحرافه وكبريائه، حيث يترأس جميع الأنقاض من حوله، بينما يتلاشى المستقبل في الدخان.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة