الأخبار العاجلة

الفنان حسن موسى.. حُرِّية الحُرُوفِ الحَيَّة

أشرف أبو اليزيد

تجمعُ الحروف العربية بين الأضداد، فهي إما نحيفة تأسرها الرشاقة، وإما سميكة تغلفها الرصانة، وهي تستند إلى الأرض كمركبٍ راسٍ يعافُ الموج، أو تنطلقُ إلى الفضاء كنخلةٍ مثمرة تهزها الريح، ولذلك عمد الخطاطون المفتونون بها إلى قولبتها – بسلاسة – في آيات زخرفية، ولوحات خطية، ومنمنمات لونية. لكن الزمان الضنين يفاجئنا – بين حين وآخر – بفنان يخرج عن رتابة التزيين، ليكتشف في الحروف العربية حياتها، فيمنحها حرية جديدة، والفنان حسن موسى، الذي ولد ودرس في السودان، ويعيش ويبدعُ في فرنسا، هو نموذج مثالي على مانحي الحروف الحية حريتها.
الغابة التي يعيدُ حسن موسى تشكيلها هي حديقة حيوانات عفية، كأنها محمية إفريقية لم ينهكها استعمار، ولم يلوثها بشر. الذاكرة البصرية التي ولدت معه ونمت في السودان، هي التي وهبته آلياتها ليصبح كل ما يراه مطبوعًا في المخيلة اليقظة إلى الأبد، حتى ولو كانت طيورًا من أوربا، أو حيواناتٍ من آسيا. فالسخونة اللونية الإفريقية – في ألوان الثياب التي تشكل منها الشمس منشورًا زاهيا – هي التي اغتسلت بماء فرشاته، وتوضأت بحبر دواته.
والجميلُ أنه مهما رسم الفيل فلن يكرره، ومهما تكرر عنده النمر فلن يستنسخه، وهكذا الحال في باقي الحيوانات والكائنات، كأنه في كل مرة يرسم يعود إلى ذاكرة الصبي الأولى في الغابة العذراء.

ألغاز تشكيلية
قبل أيام التقيتُ الكاتبة هدى الشوا القدومي مؤلفة (دعوى الحيوان ضد الإنسان عند ملك الجان)، التي استلهمتها من مصادر قصص الحيوان في القرآن الكريم، وحكايات الحيوان في رسائل إخوان الصفا، وفي النسخة التي أهدتنيها رأيت عالم حسن موسى الثري أمامي مرة أخرى.
ها هو حسن موسى يرسم تلك المناظرة التي تعكس اهتمام مفكري العصر العباسي بقضايا الحرية والعدل وكائنات الكون أجمعها، بحثا عن الحرية، وهربا من جور الاضطهاد وعسف الاستعباد. المؤلفة الباحثة عن الحرية، والفنان المؤمن بالتحرر، اجتمعا معًا، فكانت لوحات حسن موسى لكتاب (دعوى الحيوان) ممارسة حرة للحروف الحية، يشكل منها ملك الجان بصولجانه، وثوبه وعنفوانه، في خلفية حروفية يلتهب فيها الأحمر ويتقد فيها الأصفر، ويبقى الحبر الأسمر مشكلا لجسد تتكئ عليه اللوحة كلها.
لا يفوتنا أيضا – في لوحات الكتاب نفسه – أن نعثر على مؤثراتٍ شرقية في أعمال الفنان حسن موسى، فالطود الذي يحملُ الرجال والنساء، أصحاب الحِرَفِ والمهن، مثلما يؤوي فقهاء وعلماء، فقراء وأغنياء، تهزه الريح الصاخبة المزمجرة، فيصعدُ الموجُ، كأننا في لوحة يابانية تمسكُ فيها أصابع الحروف المشكلة للموجات بتلابيب الزورق الخشبي، ولا نشعر باستغراب، فالفن الحقيقي هو الذي يصهر المؤثرات كلها ليصنع حالته الخاصة، وهي هنا حالة شديدة التفرد تؤدي فيها الحروف دورها الخالص.
كذلك لم يكن غريبًا وأنا أطالع ألبوم صوره أن أراه متأملا يحمل كراسه وقلمه، ريشته وحبره، ليطوِّف بالمكان والزمان، وهو يجلس في القصر الصيفي بالعاصمة الصينية بكين يرسم عمارة باذخة. إنها عمارة تعادل موضوعيا العمارة التي يشكلها هو نفسه من الحروف العربية. قال لي إنه انتهز فرصة زيارته للصين، يعود ابنه الذي يدرس هناك، ليقيم ورشا حرفيا لجمهور متعطش لفن الخط العربي، وقالت لي الشوا إنها حين زارته في مرسمه الفرنسي رأته يؤسس كذلك ورشاتٍ لعشاق هذا الفن. إنه الدور التعليمي للفنان الذي قد يختفي من اللوحات لكنه يؤسس لحضور قوي في المجتمع.
عثر الفنان حسن موسى في دار نشر فرنسية متخصصة بأدب الطفل في العالم على ضالته، إذ أتاحت له (جراندير) أن ينطلق: رساما وباحثا وكاتبا، ليضع أفكاره، خاصة أن (جراندير) تهتم بأدب العالم «الثالث»، مثلما تنشر كتبًا ثنائية وثلاثية اللغة. سيتيحُ هذا التجاور بين اللغات قراء من ثقافات متعددة، وهي صورة للمجتمع الكوزموبوليتاني الذي أصبحت عليه فرنسا وأوربا، بل – وإن لم نخطئ – صار إليه العالم كله. هكذا كتابه «Ma grand-mèreest tête en l air » – الذي صدر بالفرنسية والإنجليزية والعربية، ليقدم ألغازا تشكيلية، عن كائناتِ حية، يستعيدُ فيها حسن موسى ذاكرة الحكاية الشعبية الملغزة المسجوعة، وهو يحكي عن الضفدع والزرافة وفرس النهر والسلحفاة، وسواها. نقرأ في الصفحة اللغز، ونبصر جزءا من اللوحة، وحين نقلب الصفحة يظهر الحل في اللوحة الكاملة، ويضع في الفهرس الإجابات جميعًا: ملك في البَنْغال بلا مملكة، من يعترضني يقع في المهلكة. هذا هو نمر حسن موسى، وهي لمحة أيضا عن شخصيته المرحة.
في مؤلفه الصغير (أحاجي الخطاطين والسلاطين) الصادر بالفرنسية يقدم حسن موسى صورًا لمشاهد تجمع حكمة الخطاطين بأبهة الحكام والسلاطين، فيحكي – مثالا – عن الخطاط الأندلسي الشهير ابن غطوس، العالم الورع، الذي قال عنه ابن الأبار في (كتاب التكملة) إنه كان يخط القرآن تقرّبا إلى الله، فكتب منه ألف نسخة لم يزل الملوك والأمراء يتنافسون في اقتنائها إلى اليوم. وفيه يقدم حكاية للاطفال باسلوب شيق يقترب فييه من اذهانهم. مثل أسلافه الخطاطين ينهج الفنان الدقة، وعلى نهج أدباء الأطفال المصلحين يختار قصصه بعناية، وهو يتحدث إلى أهله «العرب والفرنسيس» سواسية، فرسالة الفنان تجتاز حدود اللغة والدين والثقافة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة