الأخبار العاجلة

النفط الصخري وأسعار النفط والموازنة العراقية العامّة

الحلقة الخامسة
فؤاد الأمير

وازدادت كثافة الحفر بصورة كبيرة من بضعة مئات من الآبار في سنة 2011 إلى أكثر من 4000 بئر نفطي في عام 2012، وهو عدد يزيد عن عدد الآبار النفطية والغازية، التقليدية وغير التقليدية، التي تم حفرها في جميع أنحاء العالم (ما عدا كندا)(7أ).
تحتوي الولايات المتحدة لوحدها وضمن حدودها الجغرافية على (60%) من أجهزة الحفر الموجودة في العالم. إضافة إلى ذلك فإن (95%) من أجهزة الحفر الموجودة في الولايات المتحدة تستطيع القيام بعمليات الحفر الأفقي، والتي تعمل معاً مع التكسير الهيدروليكي fracking، والذي سبق أن تحدثنا عنه في الفقرة (1-ج)، فهما يمثلان أساس إنتاج النفط الصخري.
من الملاحظ أن وجود نسبة قليلة من السكان في معظم مناطق النفط الصخري الأميركي، تجعل من الولايات المتحدة مكاناً ملائماً للحفر الكثيف، وليس بإمكان أية دولة أخرى في العالم القيام بذلك بالسهولة نفسها. إذ لم تقم أية دولة في العالم بالحفر، حتى بنسبة بسيطة جداً لمثل هذه الكثافة من الحفر، والذي جعل ازدهار النفط الصخري والغاز الصخري ظاهرة أميركية بامتياز.
ولو نظرنا إلى مجمل الآبار المحفورة في الولايات المتحدة في سنة 2012، ومن ضمنها آبار النفط الصخري والغاز الصخري والنفط، لوجدنا أرقاماً لا تصدق. إذ إن الولايات المتحدة أكملت في سنة 2012، ما بلغ (45568) بئراً نفطياً وغازياً، وأنتجت من (28354) بئراً من الآبار المحفورة في تلك السنة، مقابل (3921) بئراً أكملت في جميع أنحاء العالم (ما عدا كندا)(7أ).
عندما بدأت عمليات الحفر في باكن Bakken، في سنة 2007، لم يكن في الحسبان أن هناك إمكانات عالية لإنتاج النفط، وظل هذا الأمر حتى سنة 2011 يبهر ويفاجئ العالم والخبراء النفطيين. علماً إنه قد استعملت كلمة «حقل» مجازاً، إذ إن مناطق إنتاج النفط الصخري ليست حقولاً بالمفهوم التقليدي للحقل النفطي، ولذلك لا تسمى حقولاً، وإنما مناطق إنتاج، وسوف نستعمل كلمة (مناطق) بدلاً من حقول.
ثم دخلت مناطق «إيكل فورد Eagle Ford» من ولاية تكساس، فيما يسمى بـ»حوض غرب تكساس Western Texas Basin» في الإنتاج. كما دخلت مناطق النفط الصخري في «بيرميان Permian، في حوض بيرميان Permian Basin» الذي يقع بين غرب ولاية تكساس وجنوب شرق ولاية نيو مكسيكو، وبدأت ظاهرة الازدهار أو ما يعرف بـ»ثورة النفط الصخري»، وذلك بعد نجاح «ثورة الغاز الصخري» التي حققت الكثير من الطموحات الأميركية في الاكتفاء الذاتي للغاز الطبيعي. وفي نهاية 2012 وصل إنتاج النفط الصخري إلى (1,5) مليون برميل يومياً من إنتاج صفر في عام 2006.
لقد وجدت كميات كبيرة من النفط في المناطق الثلاث المذكورة أعلاه، وقدر النفط الموجود في باكن Bakken وحدها في نهاية سنة 2012 ما يعادل (900) مليار برميل، ولكن بسبب المسامية porosity والنفاذية permeability الواطئتين جداً، فإن تقدير النفط الممكن إنتاجه recoverable oil (وهو الاحتياطي النفطي)، لا يتجاوز في كل الأحوال 2% من النفط الموجود (أي لا يتجاوز 18 مليار برميلاً).
لقد أثبت النفط الصخري نجاحاً وغطى قسماً من حاجة الولايات المتحدة من خلال الحفر الكثيف، ولكن يبقى السؤال:هل هو ظاهرة محدودة و»فقاعة» كما يعتقد الكثير من المعنيين، وأنها سوف تنفجر في المدى المتوسط نتيجة السرعة الكبيرة في الإنتاج، وسوف تنتهي بنهاية الإنتاج من المناطق الجيدة كما يحدث الآن؟ والأهم من ذلك أن إنتاجية الآبار تنخفض بصورة كبيرة بعد أشهر من بدء الإنتاج. والجدول رقم (2) أدناه يبين معدل الانخفاض السنوي للآبار في المناطق الرئيسة الثلاث المنتجة للنفط الصخري في الولايات المتحدة(7أ):
كما نرى فإن معدل فقدان البئر لإمكاناته الإنتاجية في السنة الأولى كان بين (43-55%) من معدل الطاقة الإنتاجية للشهر الأول من إنتاجه. وفي نهاية السنة الثانية كان البئر قد فقد (35-40%) من إمكاناته في نهاية العام الأول. وفي نهاية السنة الثالثة فقد (30%) عما كان عليه في نهاية السنة الثانية وهكذا.
كما نرى أن هذا هو المعدل، ولكن هناك دراسات أخرى تفيد بأن فقدان السنة الأولى يصل إلى (72%) من الطاقة الإنتاجية في بداية الإنتاج(7ي). على الرغم من أن الجدول يرينا انخفاض الإنتاجية للبئر إلى السنة الخامسة، ولكن نادراً جداً أن يظل البئر في الإنتاج لمدة خمس سنوات حيث يترك البئر نهائياً عندما يصل الإنتاج إلى الحدود الاقتصادية. أي عندما تصبح قيمة إنتاجه لا تغطي الكلف التشغيلية له، وبضمنها الضرائب.
إن كثافة الحفر أكثر شدة في موقعي إيكل فورد وبيرميان، ففي الوقت الذي تم فيه حفر أكثر من (1600) بئراً جديداً (باستعمال 190 جهاز حفر) في موقع باكن، وصلت إجازات الحفر في موقع إيكل فورد إلى (5230) إجازة، وبوجود ما يعادل (232) جهاز حفر في كانون الثاني من عام 2013.
على العموم فإن كثافة حفر الآبار يعتمد على مساحة المنطقة التي يتم العمل فيها، وعلى المسافات بين الآبار التي تحدد الآبار في الأيكر الواحد acre، (ويعادل الأيكر 4046,86 متراً مربعاً، أو 4047 متراً مربعاً للتقريب).
وكمثال فإن أكبر الشركات في موقع باكن ثري فوركس Bakken Three Forks كانت تعتمد بئراً لكل مساحة (1280) أيكر، ثم تطورت إلى نصف المساحة، أي بئراً لكل (640) أيكر، ثم زادت في الكثافة لتصل إلى بئر لكل (320) أيكر، ثم بئراً لكل (160) أيكر، (مما يعني بئراً لكل 647 ألف متر مربع، أي نحو مساحة 800م × 800م).
إن أقل مساحة مقدرة للمنطقة جيدة الاحتياطي في موقع باكن هي (12) ألف ميلاً مربعاً، والتي تعادل نحو 31 ألف كيلو متر مربع، وتعادل 7,7 مليون أيكر). وهذا يعني لو اعتمدنا بئراً لكل (320) أيكر سنحتاج إلى نحو (25) ألف بئر إنتاجي، والذي يعادل خمسة أمثال الآبار الإنتاجية الموجودة حالياً والبالغة (5000) بئراً، كما في نهاية عام 2012.
وإذا ازدادت الكثافة إلى بئر لكل (160) أيكر، فإننا سنحتاج إلى (50) ألف بئر لتطوير موقع باكن فقط!!!. هذا وإن حفر الآبار مستمر، وكلما ينتهي بئر يحل محله بئر آخر، وعملياً في السنة الثانية من الإنتاج علينا تعويض نصف الآبار نتيجة لفقدان ما يقارب من (50%) من الإمكانية للبئر في السنة الأولى. وكما لاحظنا فإن في موقع باكن، يتم التجديد الشهري لـ(90) بئر، (أي1080 بئراً في السنة)، وذلك بوجود (5000) بئر منتج. ولو تم استغلال الموقع كاملاً بحفر (50) ألف بئر، لوصل التجديد فقط إلى (11) ألف بئر سنوياً.
والأمر يصبح أكثر صعوبة في موقع إيكل فورد، إذ إن كثافة الحفر أكثر بكثير، إذ تصل إلى بئر لكل (65) أيكر (أي ما يقارب بئراً لكل 263 ألف متر مربع، وهي 512 متراً × 512 متراً). مما يعني احتمال وصول عدد الآبار إلى (58) ألف بئر لكل مساحة إيكل فورد (والبالغة نحو 6000 ميلاً مربعاً). والآن (أي في سنة 2013) تعمل الشركة على تجربة اعتماد بئر لكل (40) أيكر، ليزداد عدد الآبار المستمرة في الإنتاج إلى (95) ألف بئر. وهو أمر لا يصدق، وليتصور القارئ إكمال (95) ألف بئر في مساحة (77 × 77) ميلاً، (أي 123 × 123 كيلومتراً). إن طول (123) كيلومتراً يعادل المسافة بين أطراف بغداد (أبو غريب)، أو من أطراف الكاظمية إلى الحلة. ولتقريب الصورة إلى القارئ أكثر، فإن مساحة بغداد بأطرافها تعادل (35 كيلومتراً × 35 كيلومتراً)، ويوضع فيها (7350) بئراً نفطياً مستمراً (ما عدا الآبار الواجب تجديدها). وللمقارنة والتوضيح فإن عدد أبراج الهاتف النقال (المثبتة على الأرض وعلى أسطح المباني)، وأبراج الإنترنت وغيرها من أبراج الاتصالات، لا تصل إلى (5000) برج في بغداد وضواحيها، والتي يراها الناظر منتشرة في كل مكان. وليتصور القارئ وضع أبراج للنفط في بغداد وضواحيها تعادل مرة ونصف لما موجود من أبراج الاتصالات هذه. لا يمكن أن يتم هذا في أي مكان في أوروبا، أو في المناطق المكتظة بالسكان، وفي هذا ما يؤكد أن حالة النفط الصخري هي حالة أميركية.

المصادر والهوامش:
7. أ. دراسة: «The Shale Oil Boom: A US Phenomenon»، تاليف ليوناردو ماوكيري Leonardo Maugeri. صدرت في حزيران 2012، عن: «Harvard Kennedy School-Belfer Centre for Science and International Affair».
وتعد مدرسة هارفرد جزءاً من جامعة هارفرد. ويقول الكاتب أن آراءه في الدراسة تمثله هو، ولا تعني أنها متبناة من جامعة هارفرد أو مدرسة هارفرد كيندي.
وكان الكاتب المدير الأعلى لشركة إيني ENI الإيطالية، حيث كان يشغل منصب نائب الرئيس لشركة إيني لشؤون التطوير والإستراتيجيات (2000-2010)، ورئيس فرع البتروكيمياويات في شركة إيني (2010-2011)، وترك الشركة في 31/8/2011. لقد أصدر أربعة كتب عن النفط والطاقة والبدائل، وحصلت جميعها على تقييمات عالية جداً. وكان محاضراً زائراً في المعهد العلمي الأميركي المشهور MIT (2009-2010).
7-ي. «Oil prices close on the ripping point»، وهي مقالة باللغة الإنكليزية صدرت في صحيفة «أخبار الخليج» الإماراتية، بنسختها الإنكليزية «Gulf News». لكاتبها: سعد الله فتحي، في 4/10/2015.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة