رقصة الاقنعة الثقافية

عندما تتفسخ القيم الاجتماعية ويتهرأ النسيج السكاني وتنشب الامراض الروحية والنفسية والجسدية في كيان البلد يصبح الكاتب الصادق من نفسه ومع غيره موضع شك ويتعرض للتسقيط وتتلطخ سمعته بالكذب والتشوه من قبل اخوته في الوسط الثقافي أو الوسط الفني مما يسبب فقدان الجمهور والعطل الوظيفي والشلل الابداعي عندها يرمي نفسه داخل اسلاك المنفى الشائكة وينسحب من الحياة الثقافية. دائما يلمس هذا الكاتب نبرة عداء في الاصبوحات والامسيات ونشاطات الاحتفاء به، ويرى كيف يتم تغليف الحسد والغيرة بطلاء الاستخفاف والتجاهل مع لصق اسماء هزيلة جنب اسمه وحشر عناوين كتب طبعت هنا وانزلقت مباشرة هناك لباعة حب عين الشمس إذ لم تترك أي اثر لا في ذاكرة القارئ وحده بل في الهامش السطحي للثقافة. تنعكس أمراض المجتمعات على مثقفيها الذين يهربون من المواجهة والتصدي للمرض ثم يتقبلونه كأمر واقع ويتفشىى بينهم ويصبحوا من أخطر المرضى عندما يتفاخرون بهذا المرض ويروجون له وينشرونه الى أبعد خلية في العقل البشري. بعدها يتفاقم ويصير المرض مقدس ويضعوا الخطوط الحمر حوله ويؤدون له طقوس العبادة اليومية فقد صار المريض عاشق مدمن على مخدرات الولاء كما حصل مع اللغة التي صارت مقدسة يستحيل مسامها والاقتراب من اصلاحها وتطويرها كما حصل أيام الخليفة المأمون عندما نشطت الترجمة والنسخ بين الوراقين فدخلت مفردات ومصطلحات اجنية الى اللغة مثل الموسيقى والفلسفة والكيماء والجغرافيا والفيزاء والكثير الكثير بفضل مثقفين ازاحوا هالة التقديس عن اللغة لأنها مثل أي كائن حي تتلف فيه الخلايا /الكلمات والاعراب والنحو ويتحتم تطويرها وتبديل العاطل منها بخلية طفلة أو صبية فتاة لكي تعيش في العالم وتكون بنت عصرها. واليوم تنقلب الدنيا على كاتب حاول ادخال مفردات مثل كمبيوتر وانترنيت وموبايل مع بعض المفردات العامية لضرورة قصوى فيتهموه بالزندقة ومحو واهانة التراث وبتهم الشعوبية والمحلية والفقر اللغوي، في حين سوف تدخل كل هذه المفردات والمصطلحات الى قلب اللغة رغم أنف الجميع إذ لا يستطيع الفرد الاستغناء عن (السيم كارت) لخاطر عيون سدنة اللغة ولا يمتنع عن أكل (الكنتاكي) لأن المجمع اللغوي لم يفتي بعد بأحلية استخدام الكلمة، وهكذا سوف تنهار قلعة اللغة طابوقة طابوقة وينث الجص على رؤوس الناس فيلعنون حظهم ومن رفض تطوير اللغة التي بقيت ملغومة من قريش وحتى داعش يدافعون عن القديم المنقرض والزائل بلسانهم المشطور وباظافرهم القومية كأنهم حزب اللغة العربي الاشتراكي.
حالما يقف الكاتب الصادق مع نفسه ومع غيره امام جمهور الحضور في احتفالية أو أي نشاط ثقافي يبدأ في قراءة الوجوه فيجد المحب والمحايد والمستطرق وكذلك يجد الوجه العدو المحبط والمقهور الذي يجاهد في إخفاء الكراهية فيضطر الى لبس القناع وتبدأ مسرحية رقصة الاقنعة.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة