الأخبار العاجلة

سياسة أوباما تتغير من إضعاف «داعش» الى تدميره

ماهي الدلالات وراء هذه الانعطافة؟
روبرت ساتلوف*

في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما من البيت الأبيض في أعقاب هجمات سان برناردينو [في كاليفورينا]، لم يذكر أوباما أي تغيير ملحوظ في الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب. ولكنه أعلن عن حدوث تحول لافت للانتباه في خطابه حول تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (الذي يُعرف اختصاراً بـ «داعش» أو «الدولة الإسلامية»).
وعلى وجه التحديد، تخلى الرئيس الأميركي عن عبارة «إضعاف التنظيم والقضاء عليه في النهاية»، وهي عبارة استعملها أوباما وكبار مستشاريه منذ أيلول/سبتمبر 2014 بحديثهم عن تنظيم «داعش». وأعلن عوضاً عن ذلك: «إن التهديد المنبثق عن الإرهاب حقيقي ولكننا سنتخطاه. سندمر تنظيم «الدولة الإسلامية» وأي تنظيم آخر يحاول إلحاق الضرر بنا». فقد تلاشت على ما يبدو الجهود غير محددة الملامح الرامية إلى «إضعاف» العدو من أجل القضاء عليه في النهاية.
وإذا ما التزم الرئيس أوباما بهذا الخطاب الجديد، فسيشكل ذلك نهاية باكرة لمساهمته الفريدة في المصطلحات العسكرية الأميركية. وبالتالي، لا ينبغي أن تمر هذه اللحظة مرور الكرام.
ففي 29 آب/أغسطس 2014، وصف الرئيس أوباما الاستراتيجية الأميركية للمرة الأولى بأنها تقوم على «إضعاف تنظيم «الدولة الإسلامية» على المدى الطويل». وحتى ذلك الحين، لم يكن «تدمير» تنظيم «داعش» وارداً على أجندته كما يبدو. ثم، بعد بضعة أيام، وفي أعقاب بث شريط فيديو مروع يقوم فيه تنظيم «الدولة الإسلامية» بذبح صحافي أميركي، قام الرئيس أوباما بتعديل خطابه خلال زيارة قام بها إلى إستونيا ليصبح «إضعاف التنظيم وتدميره»، قائلاً: «هدفنا واضح، وهو إضعاف تنظيم «داعش» وتدميره حتى لا يعود يشكل تهديداً ليس فقط للعراق، بل للمنطقة والولايات المتحدة أيضاً». وفي مؤتمر صحفي عقده في 5 أيلول/سبتمبر في ويلز، اختار العبارة الأكثر ليونة نوعاً ما وهي «إضعاف التنظيم وتدميره في النهاية». وكانت هذه هي العبارة الأساسية في الجملة الافتتاحية للخطاب الذي ألقاه أوباما أمام الأمة في 10 أيلول/سبتمبر حول الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب: «أيها الأميركيون الأعزاء، أود أن أطلعكم هذه الليلة على الخطوات التي ستتخذها الولايات المتحدة مع أصدقائها وحلفائها لإضعاف التنظيم الإرهابي المعروف بتنظيم «الدولة الإسلامية» وتدميره في النهاية». وفي ما عدا بعض الاستثناءات النادرة، بقيت هذه العبارة، المشروطة تارةً بعبارة «في النهاية» وغير المشروطة طوراً، لازمة يرددها الرئيس الأميركي بانتظام عند تحدثه عن الاستراتيجية الأمريكية، إلى حين وقوع اعتداءات سان برناردينو.
ومن المثير للاهتمام، أن تنظيم «الدولة الإسلامية» لم يكن العدو الأول الذي استهدفه الرئيس أوباما باستراتيجية «الإضعاف والتدمير»، إذ أن الأمر ذاته يشمل تنظيم «القاعدة». ففي مؤتمر صحفي عقده الرئيس الأميركي مع رئيس الوزراء الهندي في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2009، قال أوباما: «سنقوم بتفكيك قدرات تنظيم «القاعدة» وإضعافها، وفي النهاية، سنقوم بتفكيك شبكات التنظيم وتدميرها».
ولكن الجدير بالملاحظة بنحو خاص أن الرئيس أوباما، باستعماله العبارة على هذا النحو، أصبح أول قائد عام للقوات المسلحة يستعمل الفعلين «إضعاف» و»تدمير» في الجملة نفسها في أي سياق عسكري. ويعود الفضل وراء هذه الملاحظة إلى المساهمة القيّمة التي قامت بها جامعة كاليفورنيا في إطار «مشروع الرئاسة الأميركية» في سانتا باربرا، الذي سمح بالبحث عن كل عبارة رئاسية ذُكرت خطياً أو شفهياً عبر التاريخ.
وقبْل أن يصبح أوباما رئيساً، استخدم خمسة رؤساء أمريكيين فقط الفعلين «إضعاف» و»تدمير» في الجملة ذاتها. وفي حالة الرئيسين ثيودور روزفلت وبيل كلينتون، كان موضوع طرحهما يتمحور حول المحافظة على البيئة. فقد كتب روزفلت في تقرير «اللجنة الوطنية للمحافظة على البيئة» لعام 1909 ما يلي: «إذا ما قام جيلنا هذا بتدمير الموارد التي يستمد منها أطفالنا معيشتهم، نحد بذلك من قدرة أرضنا على إعالة السكان، وسيؤدي ذلك إما إلى تدهور مستوى المعيشة أو حرمان الأجيال المقبلة من حقها في الحياة على هذه القارة». وفي سياق مماثل على نحو غريب، أعلن كلينتون خلال مؤتمر وطني حول الغابات عام 1993 عن خطة تشجير جديدة «يُفترض أن تنتج مستوى متوقعاً ومستداماً من مبيعات الخشب والموارد غير الخشبية، والذي لن يؤدي إلى إضعاف بيئتنا الحرجية أو تدميرها».
وفي خطاب «حالة الاتحاد» الذي ألقاه الرئيس جيرالد فورد عام 1976، استعمل فورد هذين الفعلين في فقرة حول تعاطي المخدرات. فقال، مدافعاً عن العقوبات الإلزامية: «جميعنا يعلم أن المخدرات الصلبة تضعف معنويات متعاطيها وتدمر أجسادهم».
وقبل أكثر من قرن من الزمان تقريباً، استعمل أيضاً اثنان من الرؤساء الأميركيين غير الواعدين، هما جيمس بيوكانان وأندرو جونسون، هذين الفعلين في جملة واحدة. فقبل أشهر فقط من اندلاع «الحرب الأهلية» الأميركية، تعرض جيمس بيوكانان لهجوم سياسي عنيف، ورد على تصويت بحجب الثقة من قبل الكونغرس في رسالة كتب فيها: «إن غياب جميع الأدلة التي تدعم هذه المحاولة الرامية إلى إضعاف الرئيس في حين تُظهر سم السهم الموجه إليه، قد دمرت قوة القوس».
وتمثلت المفارقة الأعظم باستعمال هاتين العبارتين من قبل جونسون عندما نقض قانوناً صادراً عام 1867 يمنح حق التصويت للعبيد المحررين الذين يعيشون في مقاطعة كولومبيا، حيث قال: «إن منح حق الاقتراع بنحو عشوائي لطبقة جديدة، غير مهيأة بالكامل من خلال العادات والفرص السابقة لممارسة الثقة التي تطالب بها، يعني إضعاف هذا الحق وأخيراً تدمير قوته…»
لقد طغت السياسة على استراتيجية جونسون القائمة على العرقلة. فهؤلاء العبيد المحررون حصلوا في النهاية على حق التصويت ولم يتم إضعاف هذا الحق ولا تدميره. كذلك، طغت السياسة أيضاً على خطاب الرئيس أوباما القائم على مقاربة أكثر توازناً، وتدريجية فيما يخص تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهو نهج بدأ بإضعاف التنظيم وتوسّع ليشمل التزاماً بتدميره في النهاية.
وفي هذه الحالة، فإن حاجة الأميركيين الملحة للشعور بالأمان فرضت على الرئيس أوباما على ما يبدو التخلي عن المفهوم الغامض المتمثل بـ «إضعاف» العدو. ففي أوقات الحرب والسلم، يريد الأميركيون هزيمة عدوهم وليس إضعافه. ولم يذكر الرئيس الأميركي متى سيتحقق النصر ولم يعرض تكتيكات جديدة لتحقيقه، ولكن هذا التحول في الخطاب شكّل في الأقل نقطة انطلاق.
وبالطبع، لا يمثل الخطاب سوى جزء صغير من الواقع. وحتى الآن، لم يطابق الرئيس الأميركي على ما يبدو القدرات العسكرية مع النوايا السياسية التي كشف عنها مؤخراً. ولكن نظراً لتخلي أوباما السريع عن عبارة «إضعاف وتدمير»، قد يمضي وقت طويل قبل أن يستعمل رئيس آخر هذه العبارة كاستراتيجية عسكرية توجيهية.

* المدير التنفيذي لمعهد واشنطن.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة