الأخبار العاجلة

كاتم روح

منذ زمن بعيد وقبل ان ترتقي بلدان ما يعرف اليوم بـ (العالم الحر) الى الذرى الحالية في مجال الحقوق والحريات والكرامة والتعددية في الاجتهادات والسبل والرؤى؛ كتب العارف الكبير جلال الدين الرومي عبارته الخالدة: ( الطرق الى الله لا نهائية، وطريقي اليه يمر عبر الرقص والموسيقى). اليوم تعد مثل هذه العبارات على تضاريسنا المنكوبة بوباء جنون الملل بمثابة هرطقة او هذيان في افضل الاحوال، بعد ان تم تحريم الموسيقى والغناء او تجفيف منابعها وذلك اضعف الايمان عند الجيل الجديد من سدنة الفضيلة والتقوى والتي اكرمت سلالات بني آدم بـ (الذبح) وابتكارات لا حدود لها لارهاب (أعداء الله ورسوله..) وخلف مثل تلك الادعاءات والواجهات المتنافرة والتشريعات والدساتير التي أكرمت عيال الله في عالم الحداثة وما بعدها، يكمن الفايروس الأشد فتكاً بحاضرنا وبمصير أجيالنا المقبلة.
من يتابع أحوال سكان هذه المستوطنة القديمة بعد الفتح الديمقراطي المبين، قد يستغرب لكل هذا العجز والفشل الذي ما زال يرافقهم في مسيرتهم الجديدة صوب ما اسموه بـ (العراق الديمقراطي الاتحادي) لكن التمعن بنوع القوى والقوافل والجماعات التي تلقفت زمام الغنيمة الازلية، ونوع برامجها وغاياتها النهائية يزيل عنا كل اسباب الغموض والتعجب عن حالتنا المزرية. فكردستان مثلاً تحولت مبكراً الى اقطاعيات خاصة لاسر محددة ومصالح فئوية ضيقة، اما المنطقة الغربية ومضارب الموصل فقد تحولت الى ثكنات خاصة بالفلول والمتطوعين لنصرة “اهل السنة والجماعة”، أما الجنوب فقد أكتسحته الفصائل المدججة بكل ما أنتجته جمهورية الولي الفقيه. أما العراق فلم يجد اي ناصر له، بعد ان هرول الجميع الى ولائم دول الجوار واجنداتهم التي لا تطيق عودة الروح لأقدم الاوطان بعد زوال كابوس جمهورية الخوف.
وفي العودة الى ما توصل اليه مولانا جلال الدين وغير القليل من المنتسبين لقافلة الابداع المتوهجة، عن الموسيقى وأهميتها بوصفها معياراً لحيوية الجماعات والافراد، يكون بمقدورنا معرفة روح العراق الحقيقية حيث الاحتياطات الهائلة من الموسيقى والغناء والمقامات المتميزة والايقاعات المترعة بالجمال. لا يمكن التعويل على اي مشروع أو خطط لنهضة هذا الوطن القديم مجدداً، من دون برنامج شامل يضع نصب عينيه المكانة الحقيقية للفن والموسيقى على هذه التضاريس المنكوبة بعقائد وشرائع اليباب، انها بلاد ما بين النهرين التي تختلط روافدها وشرايين سكانها بذلك الارث المظفور وروحها (الموسيقى والغناء والفنون وكل اشكال الابداع والابتكار).
ما يجري حاليا من توجهات يتنافر تماماً وناموس الحياة على هذه الارض وروحها، وهذه الهيمنة الجديدة المضادة لروح العراق هي المسؤولة عن كل هذا الجنون والهلوسات التي نشاهدها عند غالبية سكانه من مختلف الرطانات والازياء. لا يمكن توقع عودة العافية والتوازن للشخصية العراقية مع مثل هذه العقائد الوافدة والمتنافرة وتلك العذوبة بالاصوات والايقاعات والانغام التي كرمتنا بها الأقدار من دون الكثير من خلق الله. كيف للعراقي استعادة وعيه وذائقته وهو يعيش كل هذا الاغتراب الظالم عن ايقاع روحه ونزعتها الفطرية صوب عالم الموسيقى والبهجة والغناء؟ لن ننجو من حلقات محنتنا المتتالية من دون الوعي بثرواتنا غير الناضبة وابعاد خطر كاتم الروح عنها مرة والى الأبد..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة