الإصلاح مقاومة نشيطة ضد الانحراف

مع آمال إنعاش أغصان 2016 بعد تيبسها في 2015
جاسم المطير*

من المعروف أن كشف (المخبوء) في مجرات الحكومة ورفوف مكاتبها ينبغي أن يتم بأسلوب (الأدب الوصفي) كي يتم انعاش اغصان العام المقبل 2016 وجعلها مزهرة بعد تيبسها في العام 2015 . على هذا الاساس أحاول أن أكون متصلاً بـ(الزمان) و(المكان) و(البيئة الاجتماعية) وجميع مؤثراتها في الحياة الانسانية للعراق والعراقيين. كثيراً ما يكتب البعض بمناسبة رأس السنة الجديدة اشياء عن واقع او وقائع لا وجود لها على الأرض من الناحية الفعلية الإيجابية . كما يُكتب عن امنيات لا علاقة لها بإمكانية الواقع السياسي او الاجتماعي الحالي من تحقيقها. في الحالتين لا تكون الكتابة تعبيراً عن حركة التاريخ .

متناقضات الحياة العراقية
كما أن من المحقق منذ سقوط الدكتاتورية 2003 حتى آخر يوم من عام 2015 صارت حياة العراقيين في غاية الصعوبة .. يمكن ايجاز القول انها حياة لم تخلُ من الذلّ والخنوع والفساد والضعف والفقر والبطالة والتهجير بدلا من الدعة والسلم الاجتماعي والأمن والطمأنينة والتقدم الاقتصادي . من المؤكد أن عام 2015 شهد اكثر انواع الحياة العراقية اضطراباً وخوفاً وإرباكاً وهلعاً من أي وقت آخر، خاصة في ظروف نزوح ثلاثة ملايين عراقي من بيوتهم ومدنهم إلى حالة العراء، التي لا تستر من بردٍ وحرٍ ومرضٍ وجوعٍ. كما اصبح الوضع المالي والاقتصادي حالة متخلفة محتومة، بسبب انخفاض اسعار النفط ، جعل الحياة المعيشية للجماهير الكادحة في حالةِ انحطاطٍ مريعٍ يسودها فساد مالي مريع. كذلك فأن عام 2015 كان على صلة عكسية مع ما ينشده الناس من حالة الأمن والأمان حين سيطرت قوات (داعش) الارهابية في منتصف عام 2015 على مدينة الرمادي بعد سيطرتها على أراض في محافظتي نينوى وصلاح الدين مما فرض على الدولة العراقية مهمات جديدة لإعادة بناء القوات المسلحة بجدٍ وكدٍ وسعةٍ للدخول في حربٍ شاملة مع اعداء التاريخ الانساني في تنظيم دولة الخلافة الاسلامية الارهابية (داعش) التي اختصرت عقلها وسلاحها ومجازها وجناسها في قتل الناس الابرياء المسالمين وترويعهم بالمفخخات والتهجير والاعدام وتخريب كل البنى التحتية، التعليمية والصحية والنفطية والاقتصادية وغيرها. كان هذا الواقع قد حمّل الدولة مهمات وواجبات لا تخطر على بال أحد ،خاصة ان جميع هذه المسائل او معظمها اصطدم وما زال يصطدم مع الفساد المالي العميم ، مع خط الفاسدين اللئيم ، مع الخمول العقيم، المنتشر في معظم اجهزة الدولة بما في ذلك اجهزة وزارتي الدفاع والداخلية، مما أدّى إلى انحطاط العمل السياسي .صارت اجراءات الدولة لا قيمة لها، لا في انجاز الأمور ولا في اصلاحها وليس من شك ان المشكلات المتعددة القائمة بين السلطة المركزية وسلطة اقليم كردستان والسلطات المحلية في المحافظات، التي تفاقمت إلى درجات قصوى خلال عام 2015 ما أدّى إلى خضوع الوضع السياسي والبرلماني والقضائي إلى بيئة مهمومة ساكنة ليس فيها مقاييس فاصلة بين الصواب والخطأ .

دور الشارع في تقويم السلطة
في منتصف عام 2015 ظهر فريق واسع من الناس الناقدين للأوضاع المتدهورة في تظاهرات بساحة التحرير البغدادية وفي شوارع المحافظات العراقية، كلها تندد بالواقع المرير وتنادي بالإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. كانت تظاهرات جميلة لكن في ظل غيوم سياسية كثيرة. أول مرة في بلدنا يتحقق حلم بحت حين تتوفر صلة من نوعٍ ما بين شعارات (المتظاهرين) وخطط (رئيس الوزراء) الذي وجد أن من الممكن تحقيق (اصلاحات الدولة) ونموذجها في العمل التنفيذي والبرلماني. كان المتظاهرون يحلمون أن تتطابق مطالبهم الجماهيرية الاصلاحية مع خطة رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي. بالفعل تطابقت (نظرياً) بين ساحة التحرير وقاعة البرلمان ومجلس الوزراء. غير ان الواقع اللاحق ظل أنموذجاً معلقاً بإجراءات تقشفية ،ظل مجرد تبادل وجهات نظر على الشاشة التلفزيونية او في اجتماعات وزارية روتينية.

معنى الإصلاح
الاصلاح ليس مجرد كلمة تقال او تتكرر، بل هو مقياس ثوري من مقاييس الحكم .انه نوع من الشرعية والرجوع، إلى هذا الحد او ذاك، من تطبيق البنود الدستورية وتفوق القانون, إنه الحق بتعريف اندماج السلطة الحاكمة ورئيسها عملياً مع مطالب الشعب ،من دون اهمال مبادئ السلطات الثلاث واستقلالها. الاصلاح ليس امتصاصاً لنقمة الشعب، بل هو تجاوز للتخلف عن الزمن. إنه تسريع سياسي – اخلاقي على الصعيد القانوني قادر للتجاوز على الضياع المالي الجسيم خلال 12 سنة من عمر الوطن. إنه استبعاد متميز للفاسدين والمفسدين من الذين تطاولوا على السلطة الزمنية خلال ممارستهم لها في تلك الفترة.
إن (الاصلاح) هو تفسير عملي يقوم به المصلح الفرد او المصلحون الجماعة لمفاهيم الخطيئة السياسية او الخطيئة الاقتصادية، التي أضرّت وتضرّ بالوطن ومصالح الشعب. إن (الاصلاح) تعريف واضح وثمين وممارسة يومية واضحة وثمينة للصعوبات المطلوبة او الناتجة عن فساد الوزراء والمدراء والمحافظين وغيرهم من رجال الحكم والسلطة من الذين فرضوا انطباعات ووقائع، ليست اخلاقية ولا حكيمة، في العلاقة بين (الدولة) و(المواطن) فاخّلوا، بوعيٍ أو من دون وعيٍ، بميزان الحقوق محوّلين السلطة من خدمة (المنافع العامة) إلى خدمة ا(المنافع الخاصة).
إن (الاصلاح) مهما كان نوعه ، مالياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو حتى أخلاقياً ليس سرّاً مقدساً ، بل هو، اساساً، موهبة شخصية او حزبية او جماعية لحل المشكلات العامة، حيث يضع الرئيس مشكلة عامة يسطرها على الورق بوصفها مشكلة العام 2015 لحلها بعد أن يضع الرئيس أمامه ثلاثة اسئلة تتعلق بالإصلاح:
(1) من أين تكون البداية..؟
(2) ماذا يدرج في سلّم اصلاحاته..؟
(3) ماذا عليه ان يستثني من رجال ودرجات ووسائل وغيرها..؟
كان على الرئيس حيدر العبادي لو أراد اصلاح نتائج أخطاء وخطايا من سبقه في السلطة في غضون 12 عاماً أن يواجه نفسه ببساطة الاسئلة التالية: مَنْ انا..؟ ماذا افعل..؟ ماذا اريد ان اكون..؟ ما هو هدفي من الاصلاح ..؟
بدأ عام 2015 وانتهى من دون أن يسأل الرئيس العبادي نفسه هذه الأسئلة الضرورية في السياسة الاصلاحية كما في تجارب كل الدول وكل الشخصيات الاصلاحية. ليس فقط الزعماء السياسيون الاصلاحيون يسألون أنفسهم هذه الاسئلة، بل يشهد التاريخ الفكري امثلة لمئات المصلحين في قضايا الحياة الجزئية والاخلاقية والاجتماعية سألوا انفسهم هذه الاسئلة ، مثل: (تولستوي وبرنارد شو وغوته وشكسبير وتوفيق الحكيم ومحمد عبده ) وآلاف غيرهم.
لأن منهج وثقافة الرئيس العبادي لا تؤهلانه لاكتشاف نفسه واسئلتها فقد ساعدته الصحافة العراقية وبعض المفكرين العراقيين وشعارات المتظاهرين، بل حتى النائب التقدمي مهدي الحافظ، على وضع (خطة طوارئ) ضرورية للإصلاح . كان الحافظ قد وضع امامه الخطوات الثلاث المتوجب اتباعها كي يكون عام 2015 عاماً اصلاحياً حقيقياً، لكن الرئيس لم يتقن ( فن الإصغاء ) للآخر، إنما اختتم 365 يومًا من هذا العام من دون أن يخلّص نفسه من معضلة سلطة ما بعد 2003 غير المطبقة لجوهر المبادئ الديمقراطية. اعتمد على مجموعة من المستشارين المحيطين به من اعضاء حزبه لا يملكون مواهب ونبوغاً، بل جلهم من المجازفين ، المنتفعين، غير معنيين بإصلاح يريده العبادي.

معنى الاصلاح العملي
ان اهم مفاهيم الخطى الاصلاحية او (الثورة الاصلاحية) هي أن يفهم من اسندت له السلطة الدستورية من الاعلى ، اي من البرلمان، لمدة محدودة من الزمن تقدر بأربع سنوات فعلية واجب أن يساعد الشعب بفعل الخير وأن يخطط أن يفعل خلال سنة واحدة بإجراءات اصلاحية سريعة ما يفعله غيره بأربع سنين. هناك حدث رائع جرى في البرلمان بموجب القانون والدستور أن يكون الدكتور حيدر العبادي رئيساً للوزراء في ظروف عراقية صعبة ،داخلياً وخارجياً. كان على العبادي ان يكون (رئيساً عراقياً) وليس رئيساً شيعياً أو حزبياً. كانت مهمته الاصلاحية الاولى هي تطهير الدولة واجهزتها من جميع اشكال ممارسي العنف والفساد المالي والزنى الاداري ومن اللصوص ومن البغاة من كل نوع فهل استطاع الرئيس العبادي ان يقوم بعملية اصلاحية لدولة فاسدة – كما وعد هو نفسه – بعد مرور عام ونصف العام من رئاسته على الرعية المنكوبة بشتى اشكال المظالم ..؟ انتهى عام 2015 بكامله من دون ان يراجع الرئيس العبادي نفسه وسياسته واجراءاته الاصلاحية تاركاً امر التقييم للصحافيين والأكاديميين والكتاب والباحثين من اصحاب حزبه او طائفته ليقدموا له أنواع المجاملات غير الملتصقة بالصدق والمعقولية .
في كتابة المناسبات ومنها مناسبة راس السنة الجديدة الذات غالبًا ما يسيطر على الكاتب شعور مرتبك. أحياناً يكتب أحدهم بتروٍ، في حين آخر يكتب بتسرع وربما يكذب الاثنان من دون ان يدركا حقيقة ادعاءاتهما فيتهاوى ناتج التروي والتسارع معا خاصة حين يدركان انهما لم يطيعا اطاعة تامة المواصفات الصارمة التي تستوجبها الكتابة الصادقة بتعبير صادق.

الإصلاح عملية انتقالية
امنياتي في العام الجديد 2016 ليست منفصلة عن امنيات الشعب كله، بتحقيق الديمقراطية والحرية والكرامة. لذلك فانا احاول هنا بعرض (تمنيات) ان يكون عام 2016 مبتعداً عن عام 2015 وعن ما تضمنه من خراب مالي واقتصادي وقسوة بالغة في معيشة المواطنين .
(1) اتمنى ان تنتهي الى الابد روحية وجود تنظيم داعش في الانبار ونينوى وكل ارض عراقية بعد تحريرها ، وأن تنتهي، أيضاً، جميع الاعباء العامة الناتجة عن تهجير المواطنين وان يكون المقاتلون المتطوعون والجيش والشرطة والقضاة والموظفون واعضاء مجلس المحافظة مهيئين لتقديم الخدمة الحقيقية للمواطنين وتشريع ابواب العدالة لتمكينهم من متابعة حياتهم الكريمة .
(2) الميزة الاساسية المطلوبة كسمة للعام المقبل أن تكون ميزة سياسية كبيرة بمعنى انقاذ سكان المدن والارياف من الميليشيا المسلحة، التي تعتدي على الدستور وقوانينه ،سراً وعلناً. كل مواطن عراقي يأمل أن لا تسمح الدولة بملكية السلاح لغير ابناء الجيش والشرطة ،وأن يستبعد الى الابد خضوع المواطن للعصابات السرية .
(3) الأمل الثابت المرجو من الجميع أن ينجح (المثقف) و(الدولة) في ان يكونا قادرين على تبادل وجهات النظر حول مستقبل العراق، من خلال اتحاد سلطة الفكر وسلطة الدولة، أي اتحاد الفكروقراطية مع الديمقراطية و العمل كي تكون الدولة العراقية دولة مدنية روحها الحقيقية الدستور والمؤسسات القانونية. ينبغي ان لا تظل الاستبدادية محل سيادة القانون.
(4) مرحلة الاصلاح هي مرحلة انتقالية بطبيعتها تحتاج الى حوار ذي قيمة عالية بين رجال الدولة ومطالب المواطنين المتجسدة عبر الصحافة الوطنية الحرة امام رجال الدولة ان يتخلصوا فوراً من الحوار السفسطائي وان يمارسوا الحوار الجذاب المتصل بعلم السياسة من أجل ان يكون إحساس الديالكتيك بين الجميع، في الدولة والقوى السياسية، لتحديد مفهوم القياس العادل في الاصلاح بأنموذج الوسط المعتدل والابتعاد عن الحدّين المتطرفين الاقصيين في اليمين واليسار.
ستكون انجازات عام 2016 أكبر واوسع من عام 2015 لكنها لن تكون افضل واحسن إلا إذا اخضعت الحكومة نفسها لإرادة الشعب وتطلعاته المشروعة وأمانيه المرتقبة. أملي أن يبتعد عن التطبيق في التجربة العراقية قول الكاتب السوري: مصيبة كبرى عندما لا يفرّق السياسي بين الخيار الاستراتيجي و(الخيار باللبن) عندها لن ترى الفرق بين السلطة و(السَلَطة).

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة