فنون بديلة أم هي مجرد ظواهر ارتبطت بالحراك الثوري

فن الشارع في تونس
متابعة الصباح الجديد:

خلال الأربع سنوات الماضية لم تكن الحركة الثقافية والفنيّة في تونس بمثل هذا المشهد: مفاهيم جديدة أُضيفت إلى معجمها كلفظ الفن البديل. مفهوم تداول استعماله بين الناس، تراه ينطلق من المساحات المغلقة نحو الفضاءات العامة، سمته الخروج عن الواقع المعيش والمُعطى.
للتعبير عن العمل الفنيّ «تأويلة المنفى: تونس برلين» كُتبت مجموعة (أهل الكهف) لتعرّف تجربتها. (حركة أهل الكهف) هي فكرةُ أن تجرب الإبداع والمقاومة من داخل المنفى و (أهل الكهف) التاريخيون، كما وردت سيرتهم في الأساطير الدينية، هي قصة جماعةٍ أفلتوا من سلطان ظالم ليلجأوا إلى منفى، ألا وهو الكهف، تنتفي فيه الضمائر ويتشابك الداخل بالخارج ويصير الزمانُ آخرَ. مكانٌ لا هوَ هنا ولا هوَ هناك. أماَّ الهويةُ فهي سؤالٌ من خارج الكهف، ولا جوابَ لنا عنه».
ربما تكون جملة المفاهيم الواردة في التعريف هي ما تبحث عنه المجموعة ولعلّ لحظة التماهي مع الفضاء العام كلحظة مسكونة بهاجس المعنى والبحث عن الهوية. من هنا يتجسّد البديل حتى في توصيف الأشياء والظواهر. فمحمد البوعزيزي الذي يُعتَبَر شرارة الثورة التونسية بعد أن أحرق نفسه في ديسمبر 2010 فهو «أول فنان تشكيلي في تونس»»، حسب عبارة مجموعة أهل الكهف. هنا تتّضح ملامح تجاوز المتعارف عليه ليس كمناضل وليس كشهيد وليس كمنتحر بل هو فنان الفضاء العام، الحامل لهمومه والمحتجّ على واقعه الاجتماعي.
فنون الشارع في تماهيها مع الحقل الاجتماعي والسياسي لم تنفصل عن واقعها بل غاصت فيه وتفاعلت معه. دخلت في مرحلة أولى «مجتمع الفرجة»، لم تتأقلم مع بنيته التي تحاكي حقبة الاستبداد بل سعت في مراحل أخرى إلى القطع معه وبناء منظومة شعارات بديلة حتّى غدا الفضاء العام في تونس مساحة مواطنية شعارها من «الحرية والحق كفكرة الى الحرية والحق كممارسة». من أتاه حديث اعتصام القصبة الأولى والثانية، يعلم أنّ الحياة الاجتماعية هناك لم تكن مجرد خطب وبيانات سياسية بل كانت معرضاً كبيراً يحتضن لوحات فنية ولّدها جموح الغرافيتي. لم يدم المعرض طويلاً، فبعد الموافقة على المطالب السياسية وعودة المعتصمين الى ديارهم، تمّ فسخ كل شيء وأضحت الجدران بيضاء ناصعة، فقط جذوع الأشجار بقيت تخبّئ البعض من الرسوم حتى الآن.
لا أحلم مع جدي
كتبت مجموعة (أهل الكهف) للغرافيتي شعارها الشهير «لا يمكن أن أحلم مع جدّي» ثم أكملت «هذا عهد الأرانب»، بعدها أكملت مجموعة «زواولة» المسيرة عبر مقولتها التي حاكت جدران المدن «الزوالي دفنوه وعينو حية» والزوالي كلمة محلية تونسية وتعني المهمّش والعشوائي والفقير. لم يصمت مسرح الشارع حيال الواقع الاجتماعي فخرجت إلى الحياة مجموعة «فني رغماً عني»، وكانت مسرحية (دورة مياه) وصفاً لقذارة الواقع وقرفه ثم مسرحية (قتلوه) التي تُرجِمت صدمة الشارع التونسي من عمليات الاغتيال التي طالت نشطاء ومناضلين تونسيين. لا يقف الشارع وحده شاهد إثبات على حراك فنّي يعانق الفضاءات المفتوحة كمثيله شارع الحبيب بورقيبة الذي احتضن مسرحية (ثلاث نقاط) إنجاز مجموعة «فنّي رغماً عنّي لفنون الشارع» ومجموعة (راقصون مواطنون). شخصيات تحاكي الفضاء العام، تخاطب المارّين بمشاهد تقترب من حياتهم اليومية، تؤثّر فيهم وتستدرجهم للمشاركة، يُضيفون للعمل الفني ليصير لوحة تعانق الإنسان في جميع أبعاده. غادر الفن الحضري هذا الشارع ليترسّخ عادة سنوية تحتفل بها حتى المدن المهمّشة والفقيرة، هو مهرجان مدينة (القطار) لفنون الشارع تزامن مع ذكرى اغتيال المحامي والسياسي التونسي شكري بلعيد. (القطار) هي مدينة تسكن تونس الداخلية وتحاذي الحوض المنجمي في ولاية قفصة، اختارت أن تزين شوارعها بعروض فنية من مسرح وغناء ورقص ورسوم غرافيتي قبلها كانت مدينة قابس التي شهدت قضية (زواولة)، تلك المجموعة الفنية التي حوكمت بتهمة نشر الإشاعات عبر الشعارات المرسومة على الحيطان والاعتداء على الأملاك الخاصة وغيرها من التّهم، ثم مدينة قصر هلال في الساحل التونسي التي عايشت مهرجاناً لفنون الشارع أحيته (جمعية أبولون).
الفضاء العام
الإنتاج الفني في الفضاء العام لم يكن موجّهاً للسوق، لم تحكمه قواعد الاستهلاك ولا يتمّ إعداده مسبقاً وفق قواعد ما، إنه قريب من المتقبّل، يدعوه للتفاعل معه والتشارك في الإخراج النهائي. هذه التشاركية تجعله متحوّلاً غير ثابت، يتعامل مع محيطه الاجتماعي في حذر، فشارع بورقيبة بتونس العاصمة ليس هو مدينة القطار بقفصة وليست شوارع قصر هلال بمدينة المنستير الساحلية هي نفسها مدينة قابس. يختلف التفاعل والتأثير وتختلف ردة الفعل سواء من الجمهور المستفيد أو من السلطة السياسية.
يظلّ الصراع حول الفضاء العام قائماً، تتواتر حوله الأسئلة كمساحة للتعبير الفنيّ المواطنيّ الحرّ. ليست تونس فقط مَن عرفت ذلك بل الأمثلة عديدة، لعلّ أهمّها مصر وغرافيتي شارع محمد محمود الشهيرة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة