الأخبار العاجلة

التنقيب بعيداً عن النفط

من الصعب العثور على بلد تحولت فيه احتياطاته الهائلة من النفط والغاز الى نقمة وحزمة من الحروب والكوارث المتواصلة، كما حصل مع هذا الوطن المنكوب. الآف المليارات من الدولارات كان يفترض بها جعل العراق بلد لا يضاهى في التقدم الاقتصادي والاجتماعي والعلمي لا في آسيا والشرق الاوسط وحسب بل في العالم كله، خاصة عندما تتخصب وما يمتلكه العراقيون من مواهب وتنوع وتعددية لا مثيل لها مادياً وثقافياً. هناك العديد من الاسباب التي تقف خلف هذه القسمة العاثرة لسكان اقدم المستوطنات البشرية، علل ومناخات سمحت بتسلل حثالة المجتمعات والنكرات الى المفاصل الحيوية للدولة العراقية الفتية، هذا الخلل العضوي ما زال فاعلاً ومؤثراً في المشهد السياسي والاقتصادي رغم مرور أكثر من عقد على زوال السلطة المطلقة “لحثالة الريف واوباش المدن” ربيع عام 2003. لقد واصل “المحظوظون الجدد” السير على خطى قوارض النظام المباد في نهش فطائس الرزق الريعي (النفط والغاز) والتي سددت وارداته الاسطورية كل متطلبات شراهتهم الفجة.
أما اليوم، وبعد ضمور واردات النفط بشكل مفاجئ لأكثر المخيلات تشاؤماً في استشراف السيناريوهات المحتملة في الحقل الاقتصادي، فقد وجدنا انفسنا بمواجهة تحديات وتهديدات لن ننجو من مآلاتها المأساوية، الا يتحويل مساراتنا وفزعاتنا بعيداً عن لوثة النفط وفضلاته المتعددة، والتنقيب عن الثروات غير الناضبة واحتياطاتها الهائلة والمجربة، أي الانسان وامكاناته الخلاقة، وشعوب وقبائل وملل هذه الارض التي دارت على تضاريسها أول عجلة في ماراثون البشر نحو التقدم والازدهار، جديرون باسترداد ذلك الارث المشرق من الابداع والخلق والابتكار. وهذا يتطلب قبل كل شيء اعادة هرم المعايير والاولويات الى وضعه الطبيعي، بابعاد النكرات والحثالات عن موقع المسؤولية والقرار فيما تبقى من دولة ومؤسسات واحزاب ونقابات ومنظمات وهيئات في هذه الجمهورية المستباحة، منذ شباط عام 1963 والى يومنا هذا.
لكن السؤال الذي تهشم رأسه على جدار ثوابتنا الجليلة: هل بمقدورنا زحزحة كل هذا الجيش العرمرم من النكرات اصحاب الشأن والشوكة عن مواقعهم ومكتسباتهم الراسخة جيل بعد جيل؟
الاجابة على هذا السؤال هي من ستحدد نوع المصائر التي تتنظر مشحوفنا المشترك، وهي من ستدفعنا للتنقيب بعيداً عن النفط وعقائد الغنيمة والفرهود المهيمنة على عقول وارادة وضمائر قطاعات واسعة من القوافل الضاجة حالياً على مسرح الاحداث. مع مثل هذه الاصطفافات والتوازنات تبدو مثل هذه الآمال والخيارات المجربة، بعيدة المنال، لكن المخاطر والفواتير المحدقة ستكون قاصمة للظهر، ولن يجدي نفعاً معها كل اشكال العطابات العقائدية والشعبوية التقليدية منها او الحداثوية. لا شيء سوى العودة الى العقلانية والحكمة وروح المسؤولية في التعاطي مع كارثة جفاف الضرع الريعي ووباء الشراهة وعقائد الهلوسة والهذيان التي أوصلت بلدا من اجمل البلدان واكثرها ثراء وتطلعاً مشروعاً الى هذا الحال المزري مادياً وقيمياً، ومثل هذا الخيار الوجودي يستوجب الحجر على المخلوقات المعطوبة والمسكونة بهوس التدافع عند اطراف الوليمة الازلية، وبالتالي استرداد الانسان المناسب لموقعه ووظيفته الحيوية في نصرة عيال الله وخدمة الشأن العام.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة