الأخبار العاجلة

بونين بالعربية.. اكتشاف متأخر لكاتب رائع

جودت هوشيار:

عرف غائب عن حياتنا الثقافية
تقوم كبريات الصحف والمجلات الغربية (تايم، نيويورك تايمز، الأندبيندنت، لو فيغارو، لوموند وغيرها) بين حين وآخر، بإعداد لائحة بأهم مائة كتاب أثرت في المسيرة الحضارية للإنسان أو أعظم مائة رواية عالمية، وما شابه ذلك من لوائح الكتب.
ولو حاول أي باحث عربي، أن يقلد هذا العرف الثقافي الجميل، ويعد قائمة بأهم مائة رواية عالمية، لعجز عن ذلك حتماً، لأن ما ترجم إلى اللغة العربية من هذه الروايات لا يتجاوز 10 % في أحسن الأحوال. فعلى سبيل المثال، نرى أن ما يترجم إلى اللغة الإسبانية من الكتب الأجنبية، يتجاوز كثيراً ما يترجم إلى اللغة العربية في (22) دولة عربية مجتمعة، وذلك لسبب رئيسي وهو العزوف عن القراءة في العالم العربي. حيث لا يزيد ما يوزع من أفضل رواية عربية موضوعة أو مترجمة عن عدة آلاف نسخة. ولم يترجم شيء من نتاجات بونين إلى اللغة العربية حتى السبعينات من القرن الفائت، حين قمنا بترجمة عدة قصص لهذا المبدع الكبير، سنأتي على ذكرها في الفقرات اللاحقة.

الأدب الروسي المترجم إلى العربية
تعرّف القارىء العربي على أعمال الأدباء الكلاسيكيين الروس (بوشكين، ليرمنتوف، غوغول، تولستوي، دوستويفسكي، تشيخوف) منذ أواخر القرن التاسع عشر وخلال الحرب العالمية الثانية نشطت حركة ترجمة أعمال الكتاب والشعراء السوفييت المشهورين (غوركي، شولوخوف، اوستروفسكي، اهرنبورغ، ماياكوفسكي وغيرهم). وكانت دور النشر اليسارية هي التي تتولى مهمة ترجمة هذه الأعمال من اللغتين الفرنسية والإنجليزية لندرة العارفين باللغة الروسية في ذلك الحين. لذا غابت أسماء الكثيرين من أبرز الأدباء والشعراء الروس المغضوب عليهم في الإتحاد السوفييتي (بونين، باسترناك، زامياتين، بابل، يسينين، ماندلشتام، وتسفيتايفا وغيرهم.)
في فترة ذوبان الجليد أي في عهد خروتشوف، سمح القسم الآيديولوجي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي ـ المشرف على الحركة الثقافية والفكرية في روسيا وعموم الجمهوريات السوفييتية – بنشر مختارات من نتاجات الأدباء غير الحزبيين ولكن بعد غربلة نتاجاتهم وحذف ما لا يعجب الرقابة الحزبية الصارمة وانتقاء ما لا يتعارض مع سياسة الدولة في المجال الثقافي، وغالبا ما كانت هذه النتاجات تسبقها مقدمات ضافية تحاول تبرير حجبها عن القارىء حتى ذلك الوقت.
وبعد عودة الخريجين العرب في جامعات الإتحاد السوفييتي، في منتصف الستينات، ظهرت إلى الوجود نتاجات أدبية روسية من روايات وقصص وقصائد ودراسات نقدية مترجمة من اللغة الروسية. وكانت في معظمها نتاجات نشرت في الإتحاد السوفييتي بموافقة القسم الأيديولوجي ولم نجد مترجماً عربيا قام بترجمة ما ظهر إلى الوجود في الإتحاد السوفييتي خلال فترة ذوبان الجليد من نتاجات الكتاب والشعراء المغضوب عليهم، هذه النتاجات التي كانت حديث الأوساط الثقافية في روسيا. ولكن لم يتطرق أي منهم إلى تلك الأسماء حتى اليوم رغم أن أواخر عهد (البريسترويكا) أي نهاية الثمانينات من القرن الفائت، شهدت نشر الأعمال الأدبية الكاملة للكتاب والشعراء الذين أعدمهم ستالين بتهم ملفقة أو قضوا أفضل سنوات عمرهم في منافي سيبيريا أو الذين هاجروا إلى الدول الغربية وفي مقدمتهم إيفان بونين.
وقد ظهرت في السنوات الأخيرة بعض الدراسات العربية عن أدب بونين تستند أساساً على أعمال النقاد السوفييت. رغم أن هؤلاء النقاد طواهم النسيان، الأموات منهم والأحياء، ولم يعد حتى الباحثون الروس والأجانب في تأريخ الأدب الروسي يعيرون أي اهتمام لكتاباتهم المؤدلجة، فقد كانوا أبواقاً للحزب الشيوعي، ينهشون لحم كل من لا يخضع لأوامر الحزب القائد. ومن المؤسف حقاً أن معظم هؤلاء الخريجين لم يقرأوا في حياتهم سوى نتاجات الكتاب الذين حظوا بمباركة السلطة السوفييتية، رغم أن نتاجات كل الكتاب والشعراء الروس تنشر اليوم في روسيا على الملأ بكل حرية، والباحث الحقيقي في أي مجال كان، يفترض به أن يتابع كل ما هو جديد في تخصصه ولا يحبس نفسه في قفص الماضي الكئيب..

نبذة عن حياة وأعمال بونين
أيفان بونين (1870 ـ 1953) أحد الأعلام البارزين في الأدب الروسي الكلاسيكي، وقد بدأ حياته الأدبية شاعراً ولم يكن قد تجاوز العشرين من عمره حتى نشرت مجموعة أشعاره الأولى، التي نال من أجلها (جائزة بوشكين)، ثم منح الجائزة ذاتها مرة ثانية حين ترجم من الشاعر الأمريكي (لونفيلو) قصته الشعرية (هياواثا).
بيد أن بونين معروف في المقام الأول ككاتب نثر ممتاز ورائد جيل من كتاب القصة القصيرة في روسيا في النصف الأول من هذا القرن ويعد أهم كاتب للقصة القصيرة بعد تشيخوف. ويتميز أسلوبه بالثراء اللغوي والعمق السيكولوجي. بونين شأن تشيخوف يأسر القارىء في قصصه بوسيلة أكثر من أي متعة أخرى، إن قصصه مواقف آسرة وشخوص فريدة، فهو يجذب إنتباهنا فجأة لما هو عادي تماماً ومألوف عندنا في خبرتنا اليومية والحياتية، ولما مررنا به في الماضي مرات عدة دون أن تصيبنا الدهشة لولا ذاكرته الفنية.
في عام 1909 ـ عندما كان في التاسعة والعشرين من العمر ـ منحته أكاديمية العلوم الإمبراطورية الروسية لقب أكاديمي تقديراً لإبداعه الأدبي، وهو شرف لا يحظى به، إلا القلة من العلماء والمبدعين.
رشح بونين لنيل جائزة نوبل للمرة الأولى عام 1923، ومن ثم في عام 1926، وبعدهما في عام 1930، وفاز بها عام 1933، عقب صدور روايته (حياة ارسينيف) و كان أول كاتب روسي يحصل على هذه الجائزة. ومما قيل في حفل تسليم الجائزة ما يلي: (بقرار من الأكاديمية السويدية تمنح الجائزة لإيفان بونين على الموهبة الفنية الحقة التي تمكن بواسطتها من إعادة خلق الشخصية الروسية بقالب نثري جميل).
عندما تقرأ لبونين لا يمكنك إلا أن تفكر في لغز الوجود الإنساني ومواجهة الإنسان لمصيره المحتوم. هذه الميزات لعالم بونين الفني تقربه من تولستوي، كما تقربه من تشيخوف، الإقتضاب الشديد في السرد القصصي والثراء في تصوير التفاصيل المعبرة وقدرة الفنان على التقاط دراماتيكية الحياة اليومية وتدفقها.
قبل بونين كان وصف الطبيعة في الأعمال الروائية والقصصية ـ أعمال تورغينييف مثلاً – مجرد ديكور لما يحدث في القصة، أما الطبيعة في قصص بونين فإنها الحضن الذي تنشأ فيه المشاعر الروحية والإنسانية العميقة وتبقى محفورة في القلوب إلى نهاية العمر. عندما نقرأ لبونين فكأننا نشم رائحة العسل ونستنشق نضارة الخريف ورائحة العشب ورائحة الكتب المجيدة ـ على حد وصفه ـ وحتى رائحة العصور القديمة.
يمتاز الحوار في قصصه بالدقة والتحديد في نقل أقوال أبطاله فإذا كان يصور الفلاح الروسي فهو يعرف أسلوب التعبير وملامح وخصال وعادات ليس الفلاح عموماً وإنما فلاح من منطقة معينة في روسيا. كل ذلك ضروري للكاتب لإلتقاط ما هو مهم وأساسي في نفسية الإنسان وحياته وما هو أزلي.
في أوائل القرن العشرين قال أنطون تشيخوف ـ الذي لم يكن يميل إلى تقييم الأدباء المعاصرين له أو كيل المديح لأحدهم جزافاً ـ (إن بونين كاتب فذ، لا نظير له. وكل من يكتشف بونين لنفسه، إنما يخطو خطوة نحو النضوج). وقال مكسيم غوركي: (الأدب الروسي يبدو شاحباً لو خلا من بونين).

بونين بيني وبين الطاهر
في منتصف عام 1973 صدر عن وزارة الثقافة العراقية كتابي المعنون (دراسات معاصرة)، وتضمن الكتاب عدة دراسات مترجمة عن اللغة الروسية فيها إشارات إلى نتاجات آخر عمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي ايفان بونين. وبعد أيام قليلة من صدورالكتاب كتب الناقد الراحل د. علي جواد الطاهر، استعراضاً نقدياً عنه في جريدة (الجمهورية) البغدادية ـ وأعاد نشره فيما بعد في كتابه (وراء الأفق الأدبي) الصادر في عام 1977.
يقول الطاهر: إنه لم يحس بأنه يقرأ نصوصاً مترجمة، بل نصوصاً كتبت باللغة العربية وإنني معجب بعالم إيفان بونين القصصي، وأشيد به كثيراً في ملاحظاتي وتعليقاتي على هوامش الكتاب. وأنهى مقاله القيم بمطالبته: بترجمة نماذج من قصص بونين، ليتم الإطلاع عليها كشواهد على ما أقول. هذه المطالبة وضعتني في موقف لا يحسد عليه، ذلك لأن ترجمة بونين ليست بالأمر الهين، لعدة أسباب، منها أن لغة بونين تفقد كثيراً من رونقها وجمالها وبلاغتها بكل ما فيها من ظلال المعاني والصورعند ترجمتها، كما أن الإندماج النفسي والتفاعل الخصب بين أبطال قصص بونين وبين الطبيعة الروسية الساحرة كامنة وراء الكلمات وبين الأسطر، ناهيك عن صنوف التشبيه والمجاز والإستعارة التي لا نظير لها في أية لغة أخرى، كل هذا يجعل من ترجمة نتاجات بونين مهمة شاقة.
ورغم ذلك فقد حفزني مقال الطاهر على ترجمة عدة قصص لبونين منها: (ضربة شمس) التي تصف بجمال وروعة تأثير لحظة غرام بين امرأة فاتنة مجهولة الاسم وضابط يمر بإحدى المدن، وتترك لحظة الغرام هذه جرحاً لا يندمل فيه رغم تقدمه في العمر. وأزعم أن هذه القصة أول نتاج لبونين مترجم من اللغة الروسية مباشرة، وليس عن طريق لغة أخرى.
وقد نشرت القصة على ثلاث حلقات في صحيفة (المثقف الجديد) التي كانت تصدر عن (دار الثقافة والنشر الكردية) في بغداد. ولا أدري إن كان الناقد الراحل قد اطلع على هذه الترجمة، لأنه لم يشر في مقاله إلى أنه قد اطلع على نماذج من قصص بونين. ثم ترجمت قصة بونين الشهيرة (الدروب الظليلة) ونشرت في مجلة (شمس كردستان) في عام 1976 وهي عنوان أشهر مجموعة قصصية للكاتب نشرت في نيويورك عام 1943.

بونين بالعربية
قامت دار (رادوغا) السوفييتية الرسمية بنشر مجموعة (الدروب الظليلة)، التي تضم أربعاً وثلاثين قصة قصيرة وطويلة في عام 1987 ترجمة عبدالله حبه، وأعادت دار (المدى) نشرهذه الترجمة حرفياً عام 2004 ضمن سلسلة (مكتبة نوبل) رغم أن هذه المجموعة لا علاقة لها بجائزة نوبل التي نالها بونين في عام 1933عن روايته (حياة أرسينيف) حصراً والمنشورة عام 1930، أما مجموعة (الدروب الظليلة) فقد صدرت عام 1944. والغريب في الأمر أن دار (المدى) أشارت إلى أنها تحتفظ بحقوق النشر، ولا أدري من منحها هذا الحق، هل ورثة المؤلف أم دار (رادوغا) التي لم يعد لها وجود بعد انهيار الإتحاد السوفييتي؟ والأغرب من ذلك أن المقدمة التي كتبتها الناقدة (آنا ساكيانتس) زاخرة بالمغالطات على نهج النقد السوفييتي الذي كان يلوي عنق الحقيقة انسجاماً مع النهج الرسمي للحزب في النيل من المبدعين الحقيقيين. ولحسن الحظ فأن الجيل الجديد من خريجي التخصصات الأدبية في الجامعات الروسية متحررون من الجمود العقائدي ويبدو أنهم مطلعون على الأدب الروسي الحقيقي جيداً وليس الأدب الأيديولوجي السوفييتي، فقد قرأت في الآونة الأخيرة عدة مجاميع قصصية لبونين مترجمة إلى العربية من الأصل الروسي وهي:
– مجموعة (غرام ميتيا) وتضم إضافة إلى هذه القصة الطويلة ثلاث قصص أخرى منها: (ضربة شمس) و(ناتالي) و(سيد من فرانسيسكو) بترجمة شوكت يوسف وصدرت ضمن سلسلة (إبداعات عالمية) عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عام 2003
– مجموعة قصص مختارة لبونين صدرت عن وزارة الثقافة السورية عام 2012 بترجمة محمود عبد الواحد.
إن هذه الترجمات ليست سوى بداية متواضعة أرجو أن تعقبها إصدارات أخرى، خاصة أن هذه المجاميع الثلاث حظيت بمقروئية جيدة في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة