الأخبار العاجلة

تحصين البلاد من الكذب والغش

ندعي جميعاً كمسؤولين اننا نخدم الشعب.. وان عملنا صادق، يعتمد المهنية والاختصاص والشفافية.. اما الحقيقة فان الساحة تغرق يوماً بعد يوم اخر باجواء من الفوضى والاكاذيب والتلفيقات المربكة والمضللة. فلو تركنا جانباً قضايا الرأي والاجتهادات ووجهات النظر المختلفة، المقبولة بل المطلوبة، وتوقفنا عند الوقائع الحسية والارقام والمعلومات الاحصائية، فسنرى ان الساحة غارقة في مجاهيل المغالطات والتزوير والتجهيل.
يُفصل في كل يوم موظفون وموظفات ويحالون الى المحاكم، لانهم زوروا وثيقة دراسية، او قدموا بيانات خاطئة.. فالقانون يحاول حماية المواطنين والدولة والمجتمع من التزوير والغش.. لكن عندما يزوّر مسؤول او وسيلة اعلامية الارقام والحقائق، فانهم لا يعاقبون، ولا يحاسبون، بل يصبحون نجوماً، وابطالاً لهم جمهورهم. فحبل الكذب هنا ليس قصيراً حتى عندما تظهر الحقائق، بل حبله طويل، لان نظامنا يفقد حصاناته، ولا يعاقب، او يعالج، هذا النوع من الغش والتزوير. فالاكاذيب السابقة تصبح بوابة لاكاذيب جديدة، يتسلق عبرها المتسلقون.
ليس المطلوب كم الافواه ومنع الاجتهاد، وايقاف تدافع المعلومات المتناظرة والمختلفة في اطرها وبوسائلها المتعارف عليها، بل المطلوب حماية الحقيقة والوصول اليها. وليس المطلوب منع كشف الحقائق والوقائع والارقام مهما كانت قاسية، بل ان اخفاءها هو ما يوقع الضرر.. الكلام هنا عن المعلومات الكاذبة وغير الصحيحة.. فعندما يطرح البعض ارقاماً عن خسائر في جبهات القتال لا اساس لها.. ومعلومات مختلقة عن مديونيات وعقود وهمية ومستحقات نفطية او اتهامات بالفساد لا لشيء سوى للتشويش وارباك النظام العام، فانهم يتسببون باضرار كبيرة.. أليس عيباً ان تذكر شخصية بارزة في وسيلة اعلامية معروفة، ان العراق لا يحصل سوى على 4 دولارات للبرميل من صادراته.. فاذا كانت الصادرات من المنافذ الجنوبية قد بلغت نحو 3 ملايين برميل، فان ما يدخل العراق، حسب الشخصية تلك، هو 360 مليون دولار شهرياً فقط، فهل يصدق جاهل ذلك لكي يصدقه عاقل؟ ولعل تلك الشخصية قد خلطت بين كلفة انتاج البرميل، والعائد النهائي من البرميل، الذي شرحناه في افتتاحية في الاسبوع الماضي بالتفصيل.
لابد من علاج لهذا الوضع. والوسيلة الاجدى، ليس «صراع الديكة»، كما يفعل السيد «فيصل القاسم» في «الجزيرة»، والذي صار نهجاً اعلامياً للتهريج تسترخصه الوسائل الاعلامية للترويج لنفسها، لا لنشر المعلومة والحقيقة، بل ما تتبعه الكثير من الدول. فاذا استثنينا «المخالفات»، التي يتصدى لها القضاء والاجهزة الخاصة، والتي تذكر القوانين الدستورية ان خرقها سيعرض صاحبها للعقوبات، فان المطلوب هو سلسلة من الاجراءات، ومنها:
1. ان توفر الجهات الرسمية وغير الرسمية، المعلومة بوسائلها ومواقعها وبياناتها بشفافية وصدق لتكون مصدراً مسؤولاً وموثوقاً للحقيقة. فحق المعلومة ليس منة من المؤسسات على المواطنين، بل هو حق للمواطنين على المؤسسات. وهذا يتطلب اصلاحاً ادارياً وتربوياً وثقافياً كبيراً ليتسنى للمؤسسات ان تخرج من نظمها الورقية، واساليبها المتخلفة، الى نظم الكترونية، واخلاقيات مهنية، تجعل هذه العملية سهلة وفي متناول الجميع.
2. ان تشجع المؤسسات ووسائل الاعلام على استحداث موقع «الرقيب الذاتي» ليُصحِح قبل ان يُصَحَح المعلومات المنشورة في مواقعه ووسيلته الاعلامية، وذلك لترسيخ مبدأ المصداقية وبالتالي الثقة بالمؤسسة والوسيلة الاعلامية.
3. ان تشكل «هيئة للحقيقة والشفافية» من مؤسسات المجتمع المدني او مجلس النواب، تقدم تقارير دورية (اسبوعية مثلاً) تكشف الاخطاء والمغالطات في مؤسسات الدولة ووسائل الاعلام، وتطرح الحقائق مستقاة من مصادرها.. فيساعد ذلك على فرز الاكاذيب عن الحقائق.. والمؤسسات المسؤولة عن الهزيلة.. والاعلام المزور والرخيص، عن الاعلام الجاد والرصين. لن يصبح الوضع مثالياً ابداً.. ولن تخلو امة او بلد من الاكاذيب والمغالطات، لكن ان تصبح ممارسة الكذب والغش مجزية وسائدة، وتغيب الحقيقة ويصبح التحصن بالصدق عقوبة، فمعنى ذلك ان الامة تفقد دينها واخلاقها وحصاناتها.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة