الموازنة العامة.. المحنة المزمنة

سلام مكي *

في كل عام، تزداد محنة قانون الموازنة الاتحادية للعراق، من حيث طريقة التشريع ومن حيث التصويت في مجلس النواب ومن حيث الجانب الموضوعي فيها. فمسألة تشريع قانون مهم وخطير كقانون الموازنة العامة للدولة، يتطلب جهوداً خاصة، تختلف عن تشريع قانون انضمام الدولة لاتفاقية الاحتباس الحراري. فهي تتطلب مختصين في مجال الاقتصاد والمال ولديهم امكانيات متقدمة في احتساب نسبة النفقات والايرادات ولديهم تصورات خاصة عن اسعار النفط والوضع الاقتصادي العالمي، اضافة الى امتلاك خلفيات اقتصادية لغرض تقييم طريقة الاقتراض من البنوك الخارجية الاهلية والحكومية لسد العجز المالي، وعن مدى الاضرار التي يمكن ان تلحق بالاقتصاد الوطني في حال الاقتراض ومقدار الفائدة وتأثيرها على الوضع الاقتصادي العام. كما يجب تشكيل لجان مختصة، لغرض بيان اسباب العجز الكبير في الموازنة، ووضع الحلول والمقترحات لغرض تقليله. حلول تكون ناجحة وجوهرية، لا آنية ووقتية. وهذا ليس مستحيلا، في ظل الامكانيات الهائلة للبلد. هذه الامكانيات التي لم تستثمر لحد الآن، لا من قبل الحكومة الاتحادية ولا من قبل الحكومات المحلية. ما حصل بالأمس، ويحصل اليوم، هو غياب التخصص وعدم امتلاك من يشرع قانون الموازنة، الرؤية الواضحة ولا القدرة على معالجة المشكلات التي تعاني منها. فوزارة المالية المكلفة قانوناً، بإعداد مشروع قانون الموازنة وتقديمه الى مجلس الوزراء، بموجب قانون الادارة المالية والدين العام رقم95 لسنة2004. هي ايضاً لا تملك الامكانيات التي تؤهلها لهذه المسؤولية الكبيرة، بسبب خضوعها لنظام المحاصصة الذي تم بموجبه استيزار منصب الوزير ووكيل الوزارة والمدراء العامين ومسؤولي الموازنة على اساس الانتماء للطائفة او الحزب على اساس الكفاءة والنزاهة والمؤهل العلمي والاكاديمي. وحتى في المرحلة التالية للموازنة وهو مجلس الوزراء، فهو كذلك لا يملك وزراء كفوئين يملكون مؤهلات علمية تؤهلهم لمناقشة اخطر قانون يتعلق بقوت المواطن ومصالحة العليا. فهم جاءوا عن طريق ترشيح الكتل السياسية لهم، وهذا الترشيح كما هو معروف لا يكون الا على اساس مزاجي لرئيس الكتلة السياسية اضافة الى اعتبارات خاصة بكل كتلة، ولا علاقة للمؤهل ولا الامكانية ولا التخصص، اذ يمكن بكل سهولة ان يكلف رئيس كتلة عضو في كتلته يملك شهادة في التربية قسم اللغة العربية ليكون وزيراً للبلديات خريج اعدادية حتى، ليكون وزيراً لوزارة معينة. و هذا الوزير نفسه فشل في دورات سابقة في وزارة أخرى، لكن رئيس الكتلة يصر على اعادة ترشيحه للوزارة التي اوقعها حظ العراقيين السيء من حصته. وهكذا، فإن المرحلة التالية ايضا لم تلمس متخصصين في الموازنة لتمرر الى مجلس النواب، الذي لا يقل سوءاً عن المراحل السابقة. وهكذا، تقر الموازنة العامة للدولة، بأيد لا تملك اي مؤهلات ولا خبرات في الاقتصاد والمال والتشريع. فمن الطبيعي ان تخرج لنا موازنة قلقة، تبتعد عن الواقع كثيراً، وفيها من المشكلات ما يجعلها غير قابلة للتطبيق في ارض الواقع. احد اعضاء اللجنة المالية ظهر في وسائل الاعلام ليبرر الاستقطاعات الاخيرة في رواتب الموظفين، اذ قال: انهم لا يملكون أي خيار سوى رواتب الموظفين ليسدوا العجز في الموازنة، في حين هناك طرق، واساليب يمكن الركون اليها من دون ان تمس رواتب الموظفين من غير اعضاء البرلمان والوزارة والدرجات الخاصة. فهذه الفئات من الموظفين او المكلفين بخدمة عامة فوق أي قانون او تعليمات، ورواتبهم مسورة بالقضبان لا يمكن لأي كائن الاقتراب منها، حتى لو افلس البلد. اضافة الى الهدر والفساد الكبيرين في الاموال على يد مسؤولين فاسدين، لم يطلهم قانون او قضاء. الموازنة كما هو معلوم، تعتمد بنحو كامل على النفط، ووارداته، وبما ان اسعار النفط في تراجع مستمر، فإن الموازنة التي اقرت بسعر 45 دولاراً للبرميل يمكن ان تنهار في حال هبوط الاسعار وهو ما حصل فعلا، اذ ان الاخبار تشير الى وصول سعر البرميل الى اقل من 35 دولاراً. وهو ما يعني ضرورة اعادة النظر بالسعر المحدد في مشروع القانون. وربما هناك امور اكثر سوءا من انخفاض الاسعار، قد لا تساعد العراق على الاستفادة من النفط، مما يعني ان مقدار النفقات التي حدد في الموازنة غير صحيح مطلقاً وربما لا وجود له، وحتى الايرادات. والى اليوم، لم تتمكن أي حكومة جاءت بعد التغيير، بوضع حلول لهذه المشكلة، فلم نسمع ان حكومة، قامت بتنويع مصادر الايرادات، من الزراعة والسياحة والصناعة. خصوصاً وان هذه القطاعات بالإمكان اعادة الحياة اليها، من دون مواجهة صعوبات كبيرة سوى امتلاك الارادة الوطنية. فهناك السياحة مثلا، يمكن من خلالها الحصول على ملايين الدولارات، لكن الحكومة يبدو انها متنازلة عن تلك الاموال لأسباب غير معروفة. وهناك جانب آخر لا احد يتحدث عنه وهي الاموال المجمدة في زمن النظام السابق. هذه الاموال تم اطلاق سراحها مؤخراً بعد خروج العراق من الفصل السابع، اضافة الى اموال النظام السابق والحكومة العراقية في الخارج، من دون ان يعلم المواطن مصيرها برغم انها ملك له وحده، وليس للسياسيين ولا للأحزاب. والزراعة المتوقفة منذ السقوط ولحد الآن. ففي زمن الدكتاتورية والقمع، هناك زراعة وصناعة وشبه اكتفاء ذاتي، لكن ما ان جاءت الديمقراطية حتى انتهت الزراعة وكل شيء. اذا قدر للعراق ان يبقى اسير المحاصصة والاحزاب الحالية، فمن الصعوبة جداً بقاؤه، وهذا الامر منوط بالشعب وحده، فهو الذي يملك تغيير الوجوه الحالية.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة