الأخبار العاجلة

ما وراء الكواليس

علي صابر محمد *

مع تصاعد مستوى التوتر وتلبد الغيوم الزاحفة في سماء منطقة الشرق الاوسط هناك الكثير من التصريحات من الجانب الأميريكي والتركي لها معانٍ مبطنة وتقبل التفسير بوجوه عدة ، فالتوغل التركي الى داخل الاراضي العراقية بموافقة الحزب الديمقراطي الكردستاني وبدعوة من محافظ نينوى المقال وبمعزل عن موافقة الحكومة العراقية برغم كونه يعد أختراقاً فاضحاً للسيادة العراقية الا أن عدم أستجابة الأتراك لصيحات العراقيين حكومة وشعباً وبرلماناً برفض تواجد أية قوات أجنبية على الاراضي العراقية يعد تحدياً وأستهانة بالعراق وله أكثر من تفسير لما يحمله الغد من أحداث سيما يصاحب ذلك تصريحات أميريكية بأن هذه القوات التركية الداخلة ليست ضمن قوات التحالف الدولي وصمت أميريكي مقلق بخصوص مصير الاتفاقية الأمنية بين العراق وأميريكا فيما يتعلق بموقف المحتل من التجاوز على الحدود العراقية ثم يليها تصريحات للتحالف الدولي بضرورة وجود قوات برية للتحالف على الارض لدحر داعش ويعقبها تصريحات أميريكية بالحاجة الى وجود قوات برية سنية لمقاتلة داعش ثم تطلق تصريحات من هنا وهناك عن أحتمالية أشراك قوات برية عربية سنية من السعودية وقطر وغيرها من الدول العربية أو الاسلامية جنباً الى جنب مع طائرات التحالف للقضاء على الزمر الارهابية في سوريا والعراق وكأن العراق ضيعة من أملاك هؤلاء ولا يوجد فيه بشر لهم سيادتهم وحقهم في الدفاع عن أرضهم أمام الغزاة وكأنه لا توجد حكومة تدير البلد وبرلمان منتخب من الشعب تسمح لهم القوانين الدولية بتقرير مستقبل البلاد ، هذه التصريحات عند ربطها بعضها ببعض تعكس وجود طبخة يعدها المطبخ الاميريكي بالتعاون مع حلفائهم تتماشى مع طروحات جو بايدن الرامية الى تقسيم العراق الى ثلاثة كيانات تنفذ على الارض تهدف الى خلق كيانات شبه مستقلة تقوم على أسس طائفية وقومية ويصار الى توزيع الثروات على هذه الكيانات بطريقة ترضي جميع الاطراف ولا تسمح للأغلبية أن تحكم الاقلية بل بالعكس بخلق معادلة تكون فيها الاقليات متحكمة بالأغلبية والقرارات الحكومية تصدر بالتوافق الذي يسمح للأقليات تقرير مصير تلك القرارات خاصة مع إنضاج فكرة تسليح المحافظات السنية والكرد من قبل أميريكا مباشرة من دون الرجوع الى بغداد وهذا ما تنشغل به الادارة الاميريكية هذه الايام وتسعى لأستصدار قرار من الكونغرس بذلك ومن خلال تجربة العراقيين مع القوات الاميريكية المتواجدة في العراق ولأكثر من عقد لعبت هذه القوات دوراً قذراً بالتعاطي مع ممثلي المكونات فهي من جانب تدعم العملية السياسية وتحاول جمع الاطراف المتخاصمين لدفع عجلة ادارة الدولة تسير بلا تعثر ومن جانب آخر تقوم بتقديم السلاح والدعم للقوى المعارضة للعملية السياسية بغية ترويض الكتل السياسية وجعلها تنصاع للأرادة الاميريكية الماسكة لمعظم أوراق اللعب واليوم تمنع القوات المسلحة والحشد الشعبي من الوصول الى نينوى وكركوك وحتى الانبار وعندما تم تحرير صلاح الدين كانت القوات العراقية تقصف من قبل طائرات التحالف لمنعها من التقدم الا ضمن الحدود المرسومة لها وعلى الارض وفي المدن وحتى في مناطق بغداد يتم تدريجياً فرز المناطق على أسس طائفية وهناك تهجير منظم يحصل بهذا الاتجاه ولو عدنا الى الوراء أيام المعارضة العراقية للنظام المباد قبل 2003 فمعظم المشاركين من قيادات الكتل في أجتماعات لندن وغيرها والمتصدرين للمشهد السياسي اليوم كانوا من الموافقين على التقسيم ولكنهم غيروا مواقفهم أمام المد الوطني وصوت الجماهير الرافض للتقسيم وما لم يتم تنفيذه بالتراضي ينفذ بالعنف فقد كلف العراق أنهارا من الدم وما زال الثمن لم يكتمل بعد والفاتورة لم تسدد بالكامل ومسيرة الاحداث تتجه نحو التقسيم وأعادة رسم خارطة المنطقة على وفق مخططات الغرب ومن يتابع دور داعش في المنطقة يجد أن هذه المنظمات الارهابية تتحرك حسب متطلبات الوضع السياسي للمنطقة فكلما سارت الامور وفق المخطط الغربي المرسوم ينخفض منسوب أداء هذه المنظمات وكلما تعثرت المسيرة وظهرت على السطح قوى وأصوات رافضة للتقسيم ومواقف من الكتل السياسية لا تنسجم ومزاج أميركا أرتفع منسوب أداء هذه المنظمات وتشغل العالم بعملياتها الدموية ولكي تؤدي هذه التنظيمات دورها بنحو سليم في قتال الجيش العراقي والسوري وحديثاً طيران روسيا والتحالف الدولي فأنها تحتاج الى السلاح المتطور والعتاد والمعلومات فتتكفل دول الخليج بالتمويل وأميريكا بتقديم السلاح والمعلومات وتتولى تركيا فتح حدودها لمرور المقاتلين الأجانب والقوافل المحملة بالسلاح والعتاد وتسلم أساطيل الشاحنات المحملة بالنفط المستخرج من الآبار التي تسيطر عليها داعش وبأسعار مغرية لتغطية جزء من تمويلات داعش وأخواتها .
الجميع يدرك ومطلع على مفردات صراع المحاور في المنطقة بين تركيا وايران ويقف بجانب تركيا كل من أميريكا ودول الخليج العربي والانظمة العربية الموالية للسعودية والمنظمات الاسلامية كداعش والقاعدة وجبهة النصرة ويقف بجانب ايران كل من روسيا وسوريا ولبنان والعراق وأعادة رسم خارطة المنطقة تستهدف الى خلق كيان دولة سنية جديدة تشمل غرب العراق وشرق سوريا يقطع الهلال الشيعي من الوسط ويحرم شيعة سوريا ولبنان من تماسها وأرتباطها براً مع العراق وهذه الخارطة ستكون بمنزلة حماية لأسرائيل وأضعاف للقدرات الشيعية وقطع الامدادات عن حزب الله في لبنان بكونه جبهة مقاومة مقلقة وعند تنامي قدرات الهلال الشيعي ستشكل خطرا حقيقيا على أسرائيل ومصالح الغرب في المنطقة خاصة وان ميول منطقة الهلال آخذة بالسير بخطى روسيا ويوما بعد يوما تزداد التقارب مع المصالح والمواقف الروسية وتزداد الفجوة بين شعوب هذه المنطقة وبين الادارة الاميريكية ومعظم حكام المنطقة يهرولون نحو هذا الفرز الطائفي ويهللون له بوصفه الطريقة التي تعيد ترتيب أصطفافات المجتمعات من جديد وتبعد الخطر عن الحكام الفاسدين ومضطهدي الشعوب وسارقي قوت الجماهير وتؤمن لهم الحماية تحت خيمة الطائفة والمذهب وتدخل المنطقة في متاهات وفوضى عارمة لن تستطيع قوى الخير ان تجد لها طريقاً الى عقول الجماهير وتنويرها وتعريفها بمصالحها المغتصبة وآخر هذه الاستقطابات هو قيام السعودية بتشكيل تحالف دولي من 34 دولة أسلامية تحت عنوان محاربة التنظيمات الارهابية ومعظم هذه الدول فقيرة اقتصادياً وتتسلم المساعدات من السعودية وستخضع بقراراتها للأجندة السعودية وتوجهاتها.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة