عملية فيينا: التحوّل نحو التحوّل؟

أندرو جيه. تابلر*
وأوليفييه ديكوتينيي**

في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر، اجتمعت الولايات المتحدة وغيرها من أعضاء «المجموعة الدولية لدعم سوريا» في نيويورك في أحدث مساعٍ لإطلاق عملية سياسية لإنهاء الحرب الأهلية السورية. وفي الواقع، أدى الزخم الدبلوماسي الذي برز مؤخراً إلى تحقيق بعض النتائج. فقد أدت مؤتمرات المعارضة السورية في الرياض ودمشق والمناطق الكردية في سوريا إلى انتخاب ممثلين بإمكانهم إجراء محادثات مع النظام في وقت مبكر من الشهر المقبل. كما تنخرط إيران والمملكة العربية السعودية بهدوء مع بعضهما البعض حول التسوية السورية.
ولكن ما تزال هناك عقبات كبيرة [لا بد من تذليلها]. فحجر العثرة الرئيسي ما يزال يكمن في «عقدة الأسد»، في إشارة إلى الدور الذي سيلعبه الرئيس السوري بشار الأسد في المرحلة الانتقالية السورية، فضلاً عن أهليته لخوض الانتخابات السورية في المستقبل. ومع تأكيد المعارضة من جديد في مؤتمر الرياض الأسبوع الماضي على أنه لا يمكن للأسد أن يكون جزءاً من العملية الانتقالية، ومع إشارة الأسد نفسه إلى أنه لن يجتمع بالجماعات «الإرهابية»، وهو الإسم الذي يدرج تحته المعارضة المسلحة، والتي هي غالباً غير مسلحة، إن الزخم الدبلوماسي الذي بدأ في فيينا في تشرين الأول/أكتوبر الماضي والذي اعتمد عليه وزير الخارجية الأميركية جون كيري، سيواجه الواقع في وقت قريب. وبالتالي، ستبيّن نتائج المحادثات في نيويورك بشأن سبل الانتقال ما إذا كانت الجهات الفاعلة تتجه نحو «الاتفاق على الاختلاف» بين الدبلوماسيين، أو نحو عملية تفاوض «زائفة» يخشاها العديد في المعارضة، أو عملية سياسية موضوعية ضرورية لإيجاد طريقة للخروج من الحرب الأهلية وهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام».

«المجموعة الدولية لدعم سوريا»
في 14 تشرين الثاني/نوفمبر، تم تشكيل «المجموعة الدولية لدعم سوريا» المؤلفة من عشرين دولة، من ضمنها إيران، بهدف «تسريع عملية إنهاء النزاع السوري». وقد وسّع بيان الاجتماع من استنتاجات اجتماع سابق عُقد في 30 تشرين الأول/أكتوبر في فيينا. وعلى عكس بيان ذلك الاجتماع، الذي لم ترد فيه كلمة «انتقالية» ولم يضع إطاراً زمنياً محدداً، يضع بيان «المجموعة الدولية لدعم سوريا» خطوات واضحة على وفق جدول زمني محدد لإنهاء الصراع السوري. وتشمل النقاط الرئيسية ما يلي:
وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني. اتفقت الأطراف على دعم وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني والعمل على تنفيذه، ليتوج بقرار من مجلس الأمن الدولي بإيفاد بعثة لمراقبة وقف إطلاق النار أقرتها الأمم المتحدة. وستكمن مهمة هذه البعثة في رصد «تلك الأجزاء من البلاد … التي لا تقع تحت تهديد هجمات الإرهابيين» وفي دعم عملية الانتقال السياسي وفقاً لبيان جنيف لعام 2012. إن الأمم المتحدة، التي تقود مخططاً لوقف إطلاق النار، ستحدد متطلبات وقف إطلاق النار وسبله. وقد تعهد جميع أعضاء «المجموعة الدولية لدعم سوريا» باتخاذ خطوات تتطلب التزام المجموعات التي يدعمها كل بلد، أو يمولها أو يؤثر عليها، بوقف إطلاق النار. ولا يشمل وقف إطلاق النار موضع البحث تنظيمي «الدولة الإسلامية»، و «جبهة النصرة» ولا الجماعات الأخرى المصنفة دولياً على أنها «إرهابية».
القضايا الإنسانية. من أجل بناء الثقة في العملية السياسية، دعت «المجموعة الدولية لدعم سوريا» [«المجموعة»] إلى وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء سوريا، وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2165، وإلى إيصال طلبات الأمم المتحدة المعلّقة من المساعدات الإنسانية. وبعد «الإعراب عن القلق» للمحنة التي يمر بها اللاجئون والمشردون داخلياً، عادت «المجموعة» و»شددت» على الآثار المدمرة لاستعمال الأسلحة العشوائية (مثل البراميل المتفجرة)، و»وافقت على الضغط على الأطراف لوضع حد فوري لأي استعمال لهذه الأسلحة».
محادثات رسمية سورية بين الحكومة والمعارضة. دعت «المجموعة الدولية لدعم سوريا» ممثلي الحكومة والمعارضة السورية لعقد مفاوضات رسمية تحت رعاية الأمم المتحدة، وحددت لذلك موعداً في الأول من كانون الثاني/يناير 2016. يُذكر أن المبعوث الخاص للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا هو المسؤول عن جمع «أوسع طيف ممكن من المعارضة، على وفق اختيار السوريين». وسيتم إجراء المحادثات مع التركيز على وحدة سوريا واستقلالها وسلامتها الإقليمية وإضفاء الطابع غير الطائفي عليها، والحفاظ على مؤسسات الدولة سليمة وحماية حقوق جميع السوريين بغض النظر عن الدين أو العرق.
دعم العملية الانتقالية الواردة في «بيان جنيف» لعام 2012. أكدت «المجموعة» من جديد على دعم عملية بقيادة سورية من شأنها أن تنشئ حكومة «شاملة وغير طائفية وذات مصداقية» في غضون ستة أشهر، بما في ذلك جدول زمني وعملية صياغة دستور جديد، تتوج بـ «انتخابات حرة ونزيهة» تقوم على هذا الدستور في غضون ثمانية عشر شهراً.
وستُجرى الانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، ضمن «الرضا عن الحكومة» وأعلى معايير المساءلة، يكون فيها جميع السوريين المغتربين مؤهلين للمشاركة.
الالتزام بمكافحة الإرهاب. وافقت «المجموعة الدولية لدعم سوريا» على أنه لا بد من هزيمة تنظيم «داعش» و«جبهة النصرة» والتنظيمات الأخرى التي صنفتها الأمم المتحدة كجماعات إرهابية.
هذا وسيتفق المشاركون على تسميات إرهابية جديدة، وستصادق عليها الأمم المتحدة. يُذكر أن الأردن، وتحت رعاية الأمم المتحدة وبالتزامن مع بدء العملية السياسية، سيترأس فريق عمل مؤلف من «ممثلي الاستخبارات والمجتمع العسكري» يعمل على الفهم المشترك للجماعات الإرهابية والأفراد الإرهابيين.

أسئلة رئيسة مازالت قائمة
بينما كانت أعمال عملية فيينا السابقة تمارس إلى حد كبير في إطار من الغموض البناء، يحدد البيان الصادر في 14 تشرين الثاني/نوفمبر جدولاً زمنياً متفق عليه ويرتكز بقوة على «بيان جنيف» لعام 2012، وهو بمنزلة أنموذج للعملية الانتقالية السياسية في سوريا. وقد تم إصدار البيان في أعقاب هجمات باريس وبيروت وشبه جزيرة سيناء. وبالتالي، ففي ضوء هذه التطورات، اتفق المشاركون على أن الهدف هو هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» والجماعات الإرهابية الأخرى التي حددتها الأمم المتحدة، وليس احتواءها أو تفكيكها.
ومع ذلك، فقبل أسبوعين من «الموعد المحدد» لبدء المفاوضات ما بين النظام والمعارضة، ما يزال من الصعب التوصل إلى السبل الدقيقة للانتقال وما تزال العديد من الأسئلة الرئيسة مطروحة. ومن غير الواضح كذلك إلى أي مدى تم حل هذه المسائل في الاجتماع الذي عُقد في موسكو هذا الأسبوع بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتضم هذه المسائل على وجه التحديد المواضيع التالية: هل «الحكومة» الجديدة المتوقعة في فيينا تعني تفويض صلاحيات الأسد إلى «هيئة حكم انتقالي» حقيقية كما هو مبيّن في «بيان جنيف»، أم أنها تقتصر على إدراج بعض الشخصيات المختارة من المعارضة في حكومته في ظل استمرار قيادة الأسد؟
إضافة إلى ذلك، من غير الواضح أيضاً كيف سيتجلى «الربط الوثيق بين وقف إطلاق النار والعملية السياسية» وما التي ستكون «الخطوات الأولى نحو العملية الانتقالية» لتفعيل وقف إطلاق النار.
وعلى وجه الخصوص، سيبدو من غير المرجح أن تسكت المعارضة أسلحتها من دون احتمال رحيل الأسد في مرحلة ما. إضافة إلى ذلك، هل يمكن للأمم المتحدة رصد وقف إطلاق النار «على الصعيد الوطني» على أرض الواقع إذا كانت بعثتها تنتشر فقط في «تلك الأجزاء من البلاد التي لن يكون فيها المراقبون تحت تهديد هجمات الإرهابيين»؟ ربما تكون عملية فيينا قد حققت «تفاهماً مشتركاً حول العديد من القضايا الرئيسة»، ولكن هناك حاجة إلى المزيد من التفاصيل.
لا بد من الإشارة إلى أن بعض التطورات الأكثر تشجيعاً في عملية فيينا تمت على الهامش. على سبيل المثال، حضر وزيرا الخارجية السعودي والإيراني الاجتماعين في فيينا، وعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية، أشار البلدان إلى استعداد حذر للتعامل مع بعضهما البعض.
وقد بعثت الرياض أيضاً سفيراً جديداً لها إلى طهران، ويحتمل أن يكون ذلك لملء المنصب الذي كان شاغراً لعدة أشهر. ووفقاً لدبلوماسي إيراني رفيع المستوى، تم التوصل إلى «مستوى من التفاوض» بين العاصمتين. وقد أثبت التاريخ المحدد في 1 كانون الثاني/يناير أنه يشكل حافزاً للمعارضة السورية المنقسمة لتصبح أكثر تنظيماً.
ومن الجوانب الإيجابية أيضاً اجتماع المعارضة السورية في الرياض؛ فقد اجتمع طيف واسع من الجماعات، وإن كان ذلك من دون الأكراد، ووافق على خطة لإجراء المحادثات في المستقبل. وقد شملت الخطوات المقترحة الجماعات السياسية، فضلاً عن الجماعات العسكرية الضرورية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. ومن المثير للاهتمام، أن المجموعة السلفية المسلحة «أحرار الشام» قد شاركت على ما يبدو في المؤتمر ولكن رأت أن المنصة فاترة، كونها ليست عسكرية أو دينية بما فيه الكفاية. ولعل تلك إشارة إلى أن بقية المعارضة تتحرك في اتجاه أكثر صحة.

الخلاصة:
في إطار جميع الآثار الإيجابية لاجتماع فيينا، حان الوقت لمعالجة المعضلة الأساسية ألا وهي: ما الذي ستعنيه العملية الانتقالية القابلة للتطبيق في سوريا وما الذي ستحققه في النهاية؟ إن فك «عقدة الأسد» بعناية سيكون أمراً جوهرياً في هذا السياق. أما بالنسبة إلى الأطراف التي ستلتزم بآلية «بيان جنيف» القائمة على «التوافق» على «هيئة الحكم الانتقالي»، فإن [تعبير] «الحكومة الحالية» يُشير إلى الحكومة السورية برئاسة الأسد. ومن الناحية الفعلية، إذا كان [القصد] بأن تكون «هيئة الحكم الانتقالي» تحت سيطرة الأسد أو أعضاء النظام الرئيسيين الآخرين، فمن الصعب على المرء تصوّر الكيفية التي ستتم بموجبها عملية انتقال قابلة للتطبيق. قد يكون الأسد قادراً على ضم بعض الجماعات المعارضة الصغيرة إليه، وربما «وحدات حماية الشعب» الكردية وعلى تعديل حكومته وفقاً لذلك.ولكن من دون شمل معظم المعارضة السياسية والعسكرية التي تسيطر الآن على المناطق ذات الغالبية العربية السنية في شمال وجنوب سوريا، مع استبعاد الكيانات الإرهابية، فإن احتمال إنهاء الحرب أو تجميع قوة فعالة لتدمير تنظيم «الدولة الإسلامية» سيبقى بعيداً.

* زميل «مارتن جي. غروس» في برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.
**دبلوماسي فرنسي مقيم في معهد واشنطن.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة