سوالف وداد الأورفلي تحكي قصص الأزمنة والأماكن ومحطات الفن

منذ أكثر من عقدين وأنا أفكر بكتابة مذكراتي وسيرتي، فبدأت أسجل ما يجول في خاطري عن طفولتي ودراستي وتنقلاتي مع زوجي حميد العزاوي الملحق المالي في وزارة الخارجية ومعاناتي بتنقلاتنا بين الدول مختلفة اللغات، وكلما أراجع ما سجلته أضيف عليه الكثير وتقفز في ذاكرتي حوادث فأضيفها بلغتي البسيطة، أأمل ان ينال اعجابكم، فهو كتاب يمثل شخصيتي وأفكاري وفنوني وجنوني إذ ان ولادتي تختلف عن المألوف، وخطوبتي وزواجي ايضا يختلفا، فلم البس ثوب عرس مثل بقية النساء، ولا حتى أخذت صورة تذكارية لعرسي الا بعد 7 سنوات، وبعد ان انجبت ولدي عباس، وكما تقول اغنية فاضل عواد (لا خبر لا جفية ولا حامض حلو ولا شربت) سترون أن حياتي وأفكاري تختلف عن الاخرين، سطرتها بأسلوب يمثل وداد التي أعرفها أكثر من غيري.
هكذا اختزلت الفنانة التشكيلية الرائدة وداد الاورفه لي رحلة حياتها الفنية , لتترك لنا الغوص في فصول كتابها الشيق “سوالف” الذي صدرحديثا بطبعة انيقة . الصباح الجديد تقديرا واعتزازا بالاورفه لي تنشر فصول الكتاب كاملا في حلقات متسلسلة .
الحلقة 32
الفصل التاسع
إلى الأردن
معرض النكسة في صور (المعرض الشخصي الثالث)
قررت أن اقيم معرضا عن نكسة حزيران ورغبت بتصوير الفدائيين، فدعيت من قبل الهيئة العاملة لتحرير فلسطين لزيارة الجبهة. أخذت كاميرتي معي وذهبت، وصورت كل حركة قاموا بها وشاركت الفدائيين طعامهم أي أكل (القصعة) وفجأة سمعنا صوت طائرة، فتعالت أصواتهم: ست وداد.. ست وداد. أنبطحي على الأرض بسرعة، غارة… غارة… أنبطحت كما انبطح الكل، إلا أن الجميع، وأنا منهم، انفجرنا بالضحك فجأة بعد أن تبين لنا انه كان صوت رعد شديد أعقبه هطول أمطار غزيرة ما حدا بالاخوة الفدائيين الى أعادتي الى عمان مشكورين.
وبدأت أرسم ليل نهار، وأنجزت 50 لوحة تصور مآسي الحرب، ورسمت اللاجئين وهم يعبرون الجسر المهدم كما رسمتهم في الخيام وفي المستشفيات وحروق النابالم على أجسادهم. كنت اوقع اللوحات باسم وداد العزاوي، وبعد سنة من العمل الدؤوب المضني، أقمت معرضي الشخصي الثالث في فندق الاردن انتركونتيننتال، اذ لم يكن يوجد أي كاليري في الاردن انذاك.
كنت الرائدة في أفتتاح أول معرض فني عراقي في تاريخ المملكة الاردنية الهاشمية، أسميته (النكسة في صور) وأفتتح المعرض برعاية السفير العراقي وعدد كبير من الشخصيات الاردنية الكبيرة وأركان السلك الدبلوماسي المعتمد. لقد ساهم الأديب أحمد العناني بوضع عناوين لوحاتي مستوحاة من وجع النكسة فكانت أول واحدة اسمها (جيل ما بعد وعد بلفور) وأخرى لوحة رقم 50 حملت أسم (سيعود لك صلاح الدين يا قدس) ولوحة باسم (عبر النهر لنا بيت) واخرى بعنوان (خيام ومتربة) (وطريق الآلام)…. الخ
افتتاح معرض النكسة في صور
جاء موعد الأفتتاح يوم 17/7/1968، وقبل الأفتتاح اتى احد العاملين في الفندق ليقول: ست وداد… ست وداد حصل أنقلاب بالعراق… فصعقت. وكان الأنقلاب بقيادة حزب البعث العربي الأشتراكي الذي تولى السلطة من الرئيس (عبد الرحمن محمد عارف) وطبعاً تأجل المعرض. وأعلنت في الصحف في اليوم الثاني عن تأجيل أفتتاحه الى يوم 30/7/1968 من نفس الشهر. ويا للمصادفات، في يوم الأفتتاح وأنا في انتظار الجمهور في الفندق واذا بالشخص نفسه ياتي ليقول: ست وداد.. ست وداد انقلاب آخر. وكاد أن يغمى علي وجلست أفكر ماذا أعمل!!! واذا بي أرى شخصاً واحداً دخل المعرض وعرفني بنفسه قائلا: انا السفير الروسي. فرحبت به وأخذته بجولة حول اللوحات.
بعد استقرار الأوضاع بالعراق وعودة الحياة الطبيعية على الساحة العراقية افتتحت المعرض بعد ان جددنا بطاقة الدعوة ووزعتها مرة اخرى. وظل المعرض قائماً على مدى شهر كامل وتهافت الزوار من كل الطبقات والفئات عليه.
أنا حاليا اسكن عمان منذ عام 2003، أفتش عن لوحاتي لأضعها في كتاب لي ولم أجد إلا القليل منها. فقد توارثها الأولاد والاحفاد وما زلت أبحث عن هؤلاء الأشخاص. فارسل بريدي الألكتروني الى كل شخص اعرفه ليعينني على العثور على الذين اقتنوا لوحاتي. وما زلت افتش واقول للقارئ الكـريم: إذا كـانت عندك او شـاهدت لوحـة لـي بمكـان مـا بعمـان وموقعة وداد العزاوي أو وداد الاورفه لي، ارجو مراسلتي على البريد التالي widadorfali@yahoo.com

صديقتي وزميلتي رغدة منكو
لن أنسى الحبيبة الزميلة (رغدة منكو) زوجة الصديق الرائع (نزار جرادنة) ومساعدتها لي في ترتيبات معرضي من نقل لوحاتي من والى المعرض. ومع نقل آخر مجموعة من لوحاتي الى الدار بعد انتهاء العرض وجدت أن محفظتي غير موجودة وفتشنا عنها بالسيارة ولا أثر لها. وذهبنا انا ورغدة الى البنك وأعلمناهم بما جرى من انني فقدت الشيكات وهي مبيعات لوحاتي. والحمد لله كان أكثرها صكوكا. وفي اليوم التالي دق باب شقتي رجل يعمل فلاحاً، ليخبرني أنه عثر على محفظتي وأعادها لي بكل ما فيها وحتى الصكوك ايضاً. حمدت ربي وتنفست الصعداء وقلت مبتهجة: مال الحلال… للحلال. واكرمت هذا الرجل الأمين في زمن أصبحت فيه الأمانة نادرة.

وجوه زارت المعرض
من الوجوه التي زارت المعرض سيدة قصيرة القامة ترتدي قبعة، وعرفتني بنفسها وقالت:انا النائبة البريطانية السيدة (مكاي) معرضك ليس في مكانه المناسب، يجب ان تعرضيه في لندن.
أجبتها: اتمنى ذلك… واخذتها بجولة واندهشت بما عبرت عنه من مأساة شعب مشرد. كانت مسز (مكاي) واحدة من ثلاثة مؤيدين لقضايا العرب المركزية في البرلمان البريطاني.

الى لندن
وبعد فترة وجهت لي دعوة الى لندن لأقامة المعرض، وسافرت الى لندن وأقمت المعرض وأفتتحه سفيرنا هناك السيد (كاظم الخلف) وشاركت معي في العرض ابنتها (موراك مكاي) وعرضت لوحات عن القضية الفلسطينية أيضاً. أقيم المعرض في المركز الثقافي لإمارة ابو ظبي بلندن عام 1969.

أسبوع فلسطين
في الوقت نفسه كان هناك احتفاليات بأسبوع فلسطين، وعلقت على الجدران الملصقات واللافتات التي تندد بالعدوان الاسرائيلي. ولكن ما أن يحل الصباح حتى ترفع هذه اللوحات من الشوارع وتمزق. وهذا طبيعي لقوة اللوبي الصهيوني داخل المجتمع البريطاني.
حدث أني كنت أصور وخرجت للشارع لتصوير واجهة المعرض واذا بشاب يقترب مني ويدفعني فسقطت الكاميرة من يدي، ولم أصور اي شيء. وأعلمت مسز (مكاي) بالموضوع وثاني يوم جلبت كلباً كبيراً وضعته داخل المعرض للحراسة.
مسز مكاي دعتني على الغداء في البرلمان البريطاني وقلت لها :أينما اذهب ارى النجمة الاسرائيلية؟ بحيث لم اتغذى واشتريت بعض الطعام واكلته في الدار. قالت: نحن الانكليز لو نطبق ما تقولين فمعناه لن نتمكن من أن نأكل في مطعم او نشتري ملابس اونذهب الى السينما والمسرح أذ ان كل شيء بيدهم. اللوبي الصهوني مسيطر على كل شيء من مخازنها الى بنوكها. وقالت : الآن ننظم حملة توعية لمحاربة الصهيونية بلندن، وبالفعل نظمت مظاهرات كبيرة مناصرة للشعب الفلسطيني.
وأسجل وبفخر دوراً مشرفاً لعبته الأميرة (دينا) زوجة الملك الراحل (الحسين بن طلال) إذ كانت معي في كل خطواتي ونشاطاتي في لندن، واخذتني للمشاركة في المظاهرة، كما ساهمت مساهمة كبيرة في نقل لوحاتي الى المعرض بسيارتها الخاصة وكانت تقضي جميع طلباتي وتلف بي شوارع لندن بروح بسيطة خالية من التكبر. وأذكر انها أخذتني الى شقتها الصغيرة البسيطة وهي نفسها الشقة التي سبق وان سكنتها يوم كانت تدرس في لندن.
من النشاطات الأخرى التي قمت بها في لندن وحازت على أعجاب الجمهور البريطاني، عرض لمقتنياتي من الأزياء الفلكلورية والمأثورات الفلسطينية.
الملابس الفلسطينية تختلف كثيراً عن ملابس باقي بلدان الوطن العربي، فلكل قرية من قرى فلسطين طابعها التراثي الذي يجسده الثوب تجسيداً واضحاً. فالتطريز فن تجيده المرأة الفلسطينية بكل حرفية. والعروس الفلسطينية في السابق، كانت هي من تخيط وتطرز فستان عرسها بيديها قبل أن تتزوج وتخبئه الى يوم زفافها.
أن معظم اللاجئين الذين هربوا من بيوتهم من فلسطين المحتلة كانوا يخبؤون أثواب عرسهم في وساداتهم. وكل بلدة او قرية لها نقشة خاصة بها تختلف عن الأخرى، فمثلا ثوب الخليل اكثر الأثواب تطريزاً، ويختلف عن بير زيد او رام الله والقدس و بعض أثواب العرس فيها نقوش خارقة الجمال فبدأت باقتناء كثير من هذه الملابس والمطرزات المثيرة. وأكتشفت لاحقاً أن صديقتي العزيزة وداد قعوار تختزن كنزاً من هذه الملابس في بيتها. واستمريت باقتنائها حتى أصبح عندي أكثر من 30 ثوباً. وكنت ألبسها احياناً في افتتاحات معارضي في بغداد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة