لوحة مهشَّمة

علي حسين عبيد:

في عصر ربيعي قادتني خطاي الى كلية الفلسفة في جامعة بغداد بمنطقة باب المعظّم، كنت على موعد مع صديقين يدرسان الفلسفة، كي نقضي بعض الوقت في نادي الجامعة، ونخرج نتسكع في باب المعظم والميدان وشارع الرشيد، لننتهي أخيرا في اتحاد الادباء، قبل ان اصل باب الجامعة بقليل فاجأتني لوحة من الخزف او مادة النورة، لا اتذكر بالضبط، كان نصفها الأعلى مهشما، أما النصف الاسفل فكان سليما، وبدت لي لوحة جميلة وأنيقة، الى جانبها كان يقف طفل ابيض جميل، بدت دموعه تجري فوق خديه، ويطلق نحيبا مسموعا، توقفتُ عند اللوحة، حاولت اجمع شظاياها، ثم طلبت من الطفل أن يكف عن البكاء، قلت له: كم ثمن اللوحة؟. قال: سبعة آلاف……
طلبت منه ان يساعدني في جمع القطع الصغير المتناثرة على الاسفلت، ووضعت النصف السليم في كيس نايلون مع الشظايا وسلمته الثمن، واخرجت ورقة كلينكس بيضاء ومسحت دموعه ووضعت قبلة على جبينه، وطلبت منه أن يكف عن البكاء، حملت اللوحة في الكيس و واصلت سيري الى الجامعة، ابتعدت عن الطفل خطوات، ادرتُ رأسي إليه، وجدته مسمّراً في مكانه، ينظر إلي، وفي فمه سؤال، او يرغب بكلام ما، خاطبتهُ من بعيد: هل تريد ان تقول لي شيئا؟. لم يجبني لكنه ظل واقفا في مكانه، تركته وشأنه، دخلت بوابة الجامعة، وصلت كلية الفلسفة، التقيت الصديقين، لاحظا الكيس ونصف اللوحة المهشمة والشظايا، كان النادي يموج باجساد كثيرة، طالبات وطلاب، ضجيج عال، علب العصير الفارغة كثيرة، دخان السجائر يتصاعد دوائر تلتف حول بعضها، كان وجه الطفل، رغبته بالكلام والسؤال، تسكنني، بعد ساعة سألني احد الصديقين: ما هذه؟ قلت: لوحة مهشمة. ضحك فجأة وقال: هل خدعوك؟ لم افهم ماذا كان يعني بالضبط، كنت افكر بالطفل، وأسأل نفسي (لماذا لم أتح له فرصة كافية كي يفصح عن رغبته بالكلام)…….
خرجنا من الجامعة، ثلاثتنا، انا احمل كيس اللوحة المهشمة، وهما يحملان حافظتين للكتب، عدنا من الطريق نفسه، رأيت الطفل، يجلس وحيدا دونما لوحة او صديق، كنا نسير من الجانب الآخر للشارع، لم يتنبّه الطفل لي، كانت تقاسيم وجهه المعبّأة بالتساؤل واضحة لي، كان بصره يتدفق نحو باب الجامعة، كأنه بانتظار شخص ما، لم اعرف من هو الى الآن.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة