)مرتدية ثوب الزفاف(.. فيلمٌ يَقْلِبُ معايير السينما في كوبا

مروة رزق

تُفرز المجتمعات الشمولية المقهورة أنواعاً مختلفة من الاضطهاد بين أفرادها كنتاج طبيعي لما تتعرّض له من كبت مما يكون له بالغ الأثر على هويّة الفرد. تتضح هذه الصورة من خلال الفيلم الكوبي (مرتدية ثوب الزفاف ) للمخرجة الكوبية ميرلين سولايا MARILYN SOLAYA التي حصدت بهذا العمل الأول العديد من جوائز المهرجانات الدولية بفيلمها الذي قلب معايير السينما في كوبا كما قال الكاتب الكوبي الشهير خوان أنطونيو بوريرو.
على خلفية التدهور الاقتصادي لكوبا في التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، يسرد الفيلم قصة حب جميلة تجمع بين ممرضة أربعينية (روزا) تزوّجت حديثاً من (إرنستو) ويعيشان معاً في بيت بسيط، حيث ترعى والدها المسن الذي لا يستطيع الحركة. يبدأ الفيلم بمشاهد تبيّن مدى طيبة وحنان هذه الممرضة مع مرضاها في المستشفى. كيف تحمم بلطف واهتمام أحد العجائز، كيف تستقبل قيء عجوز آخر بحلم، في حين أنها لما تترك خدمتها لساعة واحدة وتقوم زميلتها بنفس العمل تستشعر كمشاهد مدى رتابة وروتينية أدائها لمهامها كممرضة.
ولأول مَرّة في تاريخ السينما الكوبية نكتشف أن الفيلم يدور عن عملية التحوُّل الجنسي للأفراد، فالفيلم المأخوذ عن قصة واقعية يأخذنا إلى أول سِرّ في حياة هذه المرأة الطيبة اللطيفة التي لا ترضى عن حياتها وتصرح بأنها ترغب في أن تعمل شيئاً لها هي وحسب. نراها تترك أحياناً مجال عملها وتتخفى في زي رجل لتشارك في كورال للرجال تشعر أنها تعرفهم من زمن بعيد. يكتشف الزوج الطيب الذي يعمل مهندس إنشاءات في أحد المواقع هذه الكذبة، لكن يمكنه التفهُّم والاستمرار بنفس مشاعره المتأججة نحوها.
الزوج أيضاً لا يرضى عن حياته وعمله مع مجموعة من الوشاة ويصرح لزوجته ذات مرة بأنه يخشى أن يخرج معها للسهر بالليل خشية من رجال الشرطة المنتشرين في كل مكان. ثم يرضخ لإلحاحها ويخرجان معاً وتنتهي الليلة بفرارهما مسرعين من دار السينما التي اقتحمتها قوات الشرطة.
ثم يظهر في حياة (روزا) رجل. رجل ثري لا ينقصه شيء. زوجة جميلة وطفلان رائعان يحبانه بشدة. ولكنه هو أيضاً يبحث عن شيء آخر يكمله. غير راضٍ عن علاقته بزوجته. يصبح هذا الشخص السبب في التغيُّر الذي سوف تؤول إليه حياة (روزا) مع زوجها. ذات مرة يشاهد روزا التي كان على علاقة بها قبل الزواج في إحدى الحفلات وهي تغني وسط الكورال الموسيقي ويتتبعها حتى يعرف مكان سكنها. يتعقبها ذات ليلة ويعاملها بعنف شديد حتى توافق أن تمنحه ما يريده منها. ترفض روزا فيكشف سرّها الكبير أمام زوجها.. بل أمام كل زملائه في العمل وهو أن الزوجة ليست امرأة، بل كانت رجلاً يوماً ما ثَمّ تحوّل إلى أنثى.
من هذه البداية الجديدة للفيلم يشتد العنف تباعاً من زوجها شخصياً الذي يضربها ضرباً مبرحاً ومن زميله في العمل الذي يأتي إلى منزلها ويضربها كي تستسلم له، حتى صديقتها المتحوّلة أيضاً حين تذهب إلى قسم البوليس لتبلغ عمّا تعرّضت له صديقتها (روزا) من عنف لا تسلم من إهانات وعنف رجال الشرطة هي كذلك. والزوج لم يسلم من عنف زملائه في العمل الذين جعلوا منه أضحوكة حتى اضطر إلى ترك عمله. فالزوجة هنا كانت حبيسة الجسد الخطأ، أما الزوج فهو حبيس المجتمع كله.
طوال الجزء الثاني من الفيلم تسمع إشارت الإنذار وترى مشاهد لاقتحام رجال الشرطة لدور السينما والملاهي الليلية ورجال شرطة منتشرين في الشوارع وأعمال شغب. في مشهد أكثر من رائع تستسلم الصديقة وتحلق شعرها بماكينة الحلاقة أمام المرآة وتمحو مكياجها الصاخب الذي كانت تخفي به ميلها الذكوري. وتقرّر الاستسلام للهويّة التي ترغبها وترى الحلّ في الهجرة ومغادرة البلد في مشهد مؤثر، حيث تلحقها (روزا) فتراها تغادر الجزيرة على متن ألواح خشبية مع غيرها من الفارين على خلفية من أعمال شغب تملأ الشوارع ورجال شرطة غير قادرين على السيطرة عليها رغم استخدامهم للعنف الشديد.
مشهد رجال الشرطة العاجز إزاء أعمال الشغب يؤكد عجز أي سلطة تستخدم العنف، وهو ما أكدته المخرجة في مشهد آخر للأب المسن الذي أصبح يعيش وحيداً مع ابنته بعد أن هجرها الزوج وتراه يسمع استغاثاتها وهي تتعرّض للضرب المبرح من زميل زوجها الذي يحاول انتهاكها بدون أن يحاول التدخل. وفي لقطة ترى (روزا) تتخلص من كرسيه غير آسفة على غيابه من حياتها سواء بالموت أم لسبب آخر.
بعد تجربته الحب مع امرأة أخرى يتأكد الزوج من محبته الحقيقية لهذه المرأة التي كانت سجينة لجسد خطأ غير جسدها الحقيقي طوال عمرها ويمارس معها الحب في مشهد جميل يوضح مدى اكتمالها معاً. لا يستطيع الزوج مواجهة المجتمع ويطلب منها الهرب معه بعيداً عن هذا المجتمع القمعي، ولكن تقرر (روزا) البقاء. تقول لزوجها “يجب أن أبقى… لست مجرمة أو مذنبة كي أهرب.. أشعر أنه عليّ البقاء كما أنا بكل مشاكلي وعيوبي.. هذا ما أريد أن أفعله لنفسي”. يتركها الزوج مُرغماً.
وفي نهاية الفيلم تقرّر (روزا) الاستمرار في الغناء كما تحب وسط زملائها في الكورال وهي متنكرة كرجل ويأتي الزوج المُغرم لمراقبتها من بعيد وبعد أن تنتهي من الغناء ترجع لهويّتها الحقيقية كامرأة مكتملة الأنوثة تستنشق هواء البحر وحيدة حُرّة محققة ما تريد.
المخرجة الكوبية ميرلين سولايا هي ثالث مخرجة تمكّنت من أن تشق طريقها بفيلم طويل في السينما الكوبية قالت سولايا عن فيلمها “يذهب الفيلم إلى أكثر ما هو بعيد عن قصة أشخاص يعانون من خلل في هرموناتهم. يحكي الفيلم عن البلدان الثلاثة التي نعيش فيها: البلد التي يقولون إننا نعيش فيها؛ والأخرى التي يعيش فيها غالبيتنا؛ والأخيرة التي يعيش فيها بعضنا”. الفيلم من إنتاج كوبي- إسباني ومن تمثيل نخبة من أفضل الممثلين الكوبيين: لاورا دي لا لوث؛ لويس آلبرتو جارثيا؛ إيزابيل سانتوس؛ خورخي بيروجوريا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة