الأخبار العاجلة

نعيم شريف: يجلس الكاتب منا في الظلمة لينير طريق العالم

نعيم شريف: يجلس الكاتب منا في الظلمة لينير طريق العالم
حاوره ـ معتز رشدي:

كم سعيدة هي الصدفة أحياناً ؛ قراءة ، ظننتها ، حينذاك ، عابرة – كشأنها دائماً – لموقع الحوار المتمدن ، فإذا بها تقودني إلى التعرف ، إلى قاص من طراز إنساني فريد ، هو الكاتب والمترجم نعيم شريف .( تلك البلاد ) ، كان عنوان قصته التي وقعت عليها عيناي في الموقع المذكور.
شعرتبعد انتهائي منها بسعادة بالغة ، سعادة من عثر ، أخيراً ، على لؤلؤة فريدة طال بحثه عنها ، ونحن ، حين نتحدث عن السعادة في رحاب الأدب ، فانما نتحدث ، بمفردات قديمة ، عن حلم لا سبيل إلى وصف فرادته وجدته في كلمات .أرسلت إليه ، في اليوم التالي، إيميلاً بعنوان بريدي الالكتروني راجياً ، منه إرسال ما يتوفر لديه من نتاجه الأدبي . أكان ذلك في 2008 ؟ ها هي ذي ، أمامي ، بعد أيام معدودات ، قصصه في كتابين انيقين ، هو ، المقيم ، حينذاك ، في امريكا ، إليّ ، أنا المقيم في كندا ؛ فيا للأدب من جسر بين روحين في مكانين متباعدين ، ومنجيلين مختلفين ، أديبين هاربين من وطن أضاع الطريق إلى نفسه ، إلى منفى أضاع
فيه كُثُر ، منا ، الطريق إلى أنفسهم.

* أخي نعيم شريف، أهلاً بك. ها نحن أخيراً في بغداد! لم نلتق من قبل، ولكن، برغم ذلك ، فنحنأصدقاء، كأن مذ عقود خلت ! إنه الأدب، أليس كذلك؟
– أهلاً معتز. نعم نحن في بغداد أخيراً، لعل ذلك هو شعوري أيضاً، في مناسبات كثيرة..
يا معتز، يتقدم الأدب على الحياة ، لعلي أشعر أنني صديق للسياب أو البريكان اللذين لم أرهمفي حياتي ، لكن الأدب حضننا الكبير الذي يجمع ليس بين اناس يعيشون في عصر واحد، ولكنه يجمع ايضابين اناس عاشوا في عصور متباعدة. كما لو ان مجالا مغناطيسيا هائلا يجمع تلك العقول ويجذبها وان باعدت بينها الاماكن والازمنة. ربما في حالتنا شاء الادب ان يجمعنا في الشتات وشاء الوطن ان نرى بعضناعلى ترابه .

* صك سمعي، وأنا اقرأ لك، عويل قتلاك المزدحمين باشلائهم في قلمك! كأنك بت، برغبةمنك، أو من دونها، ناطقاً بسيرة أوجاعهم. هل يزعجك، أحياناً، تجمعهم حولك؟
– يجلس الكاتب منا في الظلمة ، لينير ضمير العالم، القتلى الذين تتحدث عنهم هم ذواتٍ سُلب منها شرطها
الانساني لصالح فكرة تكريس إله على الارض، غيابهم القسري عن الحياة كان الثمن لتربع الوحشية الخالصة.
على صدر الحياة. هؤلاء الضحايا هم إدانة يومية لسقوط شعب تحت أحذية الطغاة من كل نوع، ليست مسالخ.
الجلاد وحدها مسؤولة عن الموت المأساوي لهؤلاء، بل نكوص مجتمع لا يفتأ يذكرنا صباح مساء بعمقهالحضاري ثم يُسلم رقاب ابنائه لحفنة من الجلادين وشذاذ الآفاق. بعض المثقفين- واقولها تجوزاً- كانوايتكلمون عن دريدا وفوكو على الدوام في الوقت الذي كان فيه فدائيو صدام يقطعون رقاب الناس فيالشوارع! لا يختلف هؤلاء عمن كان يردح شعراً ليمسح دماء الضحايا عن سيوف القائد! وليقبضالملايين .
لا يزعجني تجمع الضحايا حولي، هم ، فقط ، يريدون تعبيراً بليغاً عن المهم، لذلك تراهم يحتشدون حولالكاتب، بثيابهم المثقبة بالرصاص ورقابهم التي حزتها، عميقاً، حبال المشانق. وفي الوقت الذي لا اريدان اكون فيه كاتباً للعرائض، مع جل احترامي لهذه المهنة الشريفة، لكنني لا اريد ان اكون كاتب زورايضاً. لذلك تراني استعين بالمخيلة الادبية كي لا اواجه آلام الضحايا وانا اعزل. لا بد من مخيلة مشتعلةوضمير مزدحم لنكتب الادب الذي نرجوا ان يكون ذا قيمة.
* إغتربت، وعدت، ماذا وجدت، هنا، وهناك؟ وهل وجدت وضع البلاد التيأدخلتك السجن في زمن نظامها السابق، أفضل مما تركتها عليه؟
– نعم، غربة أمدها عشر سنين، غادرت فيها البلاد على كره مني، وأنا اكاد اشرق بدمعي، وعدت لها بعد هذه السنين وانا اشرق بالدمع ايضا، أي بلاد قاسية هذه، أي أم عتية متحجرة الفؤاد تقضم اعمار ابناءها؟ في الرحلة أليها قادما من اميركا كنت أهجس أتفاقا مع قسطنطين كفافي، حين يقول أن الرحلة الى ايثاكا اجمل من الوصول اليها، كما لو أنها نبؤة أو لعنة لابد ان تؤكد مصداقها في واقع بلدي العراق، بلد يأكل نفسه وأبناءه، بلذة عجيبة، كل شيء تراجع بقوة الجهل والظلام وحدهما، تمشي في شوارع البلاد وترى الى فتيات بعمر الخامسة ملفوفات بالحجب لم يكن الامر يحدث مع جداتهن قبل خمسين عاما او يزيد، كما لو ان الطفولة، ايضاً باتت عورة، اتت يد الظلام على كل شيء جميل كأن لم يكفها ما فعله صدام وعصابته فتكفلت بأنجاز المهمة على أكمل وجه. تخشى ان تسمع فيروز في الصباح وأنت في سيارة الاجرة هناك بكاء أبدي لا ينتهي، طرد الموسيقى، تلك التي قال عنها أفلاطون، علموا اولادكم الموسيقى ثم اغلقوا السجون. ووسط الرثاثة والخراب العمراني ومظاهر انعدام الهوية الحضارية على كل الاصعدة تشعر كما لو أنك قذفت القهقري الى عصور الظلام الاولى، لم تعد الاماكن الجميلة التي عرفتها في طفولتي وصباي جميلة، ذهبت الى مدرستي الابتدائية في الديوانية، أسمها مدرسة الانتفاضة في حي رفعت ، كنت ذاهب بشوق عارم لأرى حديقتها الفريدة الجمال تلك الحديقة التي زرعت في الستينيات وبدل ذلك رأيت أرضا جرداء قبيحة الهيأة، كانت الحديقة قد اختفت بأشجار الرمان والتين ومصاطب العنب وورود الجوري وسواقيها النحيلة بمياهها الرقراقة، أختفت جنة الطفولة بسطوة الذائقة الجديدة للأخوة الأعداء !

* أبطالك مأزومون ، انهم ضحايا قدر غاشم، فكأني بك تكتب قصصك مننهاياتها المأساوية؛ حيث يسحق واقعهم المرعب كل رغبة بتعديل، أو تلطيف، مصائرهم .كيف تجدهم، اليوم، أعني كيف وجدت ، وتجد، ابناءهم؟ هل كُتب علينا ان نرث مصائرهم؟
– ها أنتذا تقول أنهم مأزومون وضحايا قدر غشوم لا يرحم، حسنا ما الذي يجدر بالكاتب أن يفعله في مثل هذه الحال ؟ أنت لا تستطيع أن تجمل واقعا غارقا بقبحه، تلك خيانة، من الممكن بل لا بد لكان تبني واقعا اخر، لكن عليك ان ترتب المعادلة لسياقها الصحيح، ليس بمستطاعك ان تدير ظهرك لأيقاع واقع يحتويك في خضمه وليس عليك أن تتركه سادراً دون ان تفّعل المخيلة لترتيبه ، قد تكون حيثيات الواقع شديدة الوطأة ، فالواقع، كما تعرف، له أليات ضغط هائلة ليس من اليسير الفكاك منها لكن للفن طرقه ايضا ، اعادة انتاج هذا الواقع هي ديدن العملية الكتابية .ثم ما الذي تغير حتى تتغير المصائر، لقد تسلم الاباء صخرة سيزيف للأبناء. نحن نرث الضيم يا سيدي .

* تدخلنا مفاتيح قصصك، بلا تمهيد يُذكر، إلى اجوائها القاسية؛ في( قيامة وليم ) نقرأ هذاالمطلع: ولأنها سمعت الصرخة الحادة والقصيرة ، الصرخة المبتورة . وفي ( تلك البلاد ) نقرأ: ولذلككله فقد تساءل عن ماهية القسوة، كأن لا جروف لها !
– لا يمكن لنا ان نخوض وحل الواقع متأنقين، هذا أمر مستفز، البدايات المستريحة تحيل الى واقع مرفه ذي ايقاع هاديء ومستقر، والبدايات المهيأة لحكاية ذات بناء معماري معروف مسبقا وخاضعة لسياق زمن كرونولوجي ثابت لم تعد تناسب ،حسب اعتقادي، واقعا مدمى، واقعاً تتداخل فيه الازمنة وتتقاطع المصائر. لابد من بدايات تورط القاريء معها، تسحبه من منطقة الفرجة الى ساحة التخلق الفني. لا يمكن ان تبدأ قصة مثل» قيامة وليم «عن أمرأة تستحضر ذكرى حبيب اعدم. ألا بصرخة هي بالقدر نفسه صرخة محبوسة في صدر القاريء والكاتب والسيدة على حد سواء. هنا يتوحد الثلاثة من طريق الألم والفن. لا توجد ضفاف معينة لقصة تحترم الألم الأنساني، أنها صيحة لا نهائية .

* عاد مثقفو المانيا إلى بلدهم، من منافيهم، وكانوا هربوا إليها من نظام دكتاتوري، شبيهبالنظام الذي هربنا منه، وها قد عاد بعضنا، فماذا وجدوا، وماذا وجدنا؟
– تراث الدكتاتوريات نفسه في كل الأوطان أقصد الخراب وأنهيار البنى التحتية، وتداعي أنظمة التعليم والصحة وغيرها، ولعل هناك تشابها بين نظام هتلر ونظام صدام من حيث نجاحهما سوية في تحطيم الروح الانساني لكلا الشعبين، لكن المقارنة بين ثقافتين منفيتيين شيء فيه نظر! فأنت يا سيدي تتكلم عن ثقافة كتاب ألمانيا، ثلاثة منهم حصلوا على جائزة نوبل للاداب، هانرييش مان، وستيفان زيفاج، وهيرمان هسه، هؤلاء يعرفون جيدا أن النازية هي ورم سرطاني أصاب النوع البشري وأن هتلر هو مجرم مجنون وطاغية منحط ، بينما كثير منا يختلفون الى الأن فيما اذا كان مجرم من طبقة صدام هو طاغية أم شهيد مقاوم فتأمل! طبعا المقارنة فيها ظلم جد كبير. ثم هناك شعب قام من بين الانقاض وبنى نفسه ولم يسلط عليه الله حرامية عاطلين عن كل موهبة يسرقونه ليلا ونهارا من دون ان يرف لهم جفن، في حالنا هو الخراب الناجز والمكتمل والنهائي. أدباء ألمانيا واجهوا واقعهم، تفهموه وكتبوا عنه ولم يتعالوا عليه، بينما في حالنا – فالصمت ابلغ !

* كيف رأيت مدينتك الديوانية بعد عودتك إليها؟
– الديوانية عندي عالم مفارق. فردوس طفولة ضاعت، هيهات، أن تعود، ككل شيء أنطبع على صفحة الروح، لم أجد ديوانيتي، قدر قاس وغير رحيم، أخذها مني، عبثا بحثت عن أماكن طفولتي التي لها شفافية الحلم، لكنني لم أجدها، غطتها الأبنية العشوائية، وحجبت عني نهرها، وبساتين مدينتي» الخصيمة « أختفت هي الأخرى. شوارع الديوانية تشوهت بكتل الكونكريت، ليس هناك من تلقائية في الحياة، الحياة في مدينتي حياة ملغومة. بفعل فاعلين، ليتني أجد الديوانية التي أعرفها وأعشقها لكن هذه الديوانية هي مدينة أخرى مختلفة، قاسية لا تحب أبنائها. ليت تلك التي غابت تعود.

* لِمَ مجتمعنا مأزوم إلى هذا الحد؟ أشعر، أحياناً، وكأن عقلي على وشك التفجر من شدة الألم، وكلما رفعت رأسي لأبتسم للحياة أطبق ظلام أشد قسوة من سابقه؟
ج: المجتمع العراقي مجروح بعمق كبريائه، هناك عويل مكتوم في ذاته المهانة، عبر سنين طوال من حكم ديكتاتوري، عمل النظام جاهدا لجعل الفرد بوصفه أنسانا أرخص السلع، كما كانت هناك قصدية غاية في الخبث هدفها الحط من كرامة العراقي كفرد والعراق كمجتمع من أفراد لذلك ترى الأن في مجتمعنا أخلاقا جديدة عليه، أقصت ما تواضع عليه من ألفة وتراحم وحب، وصار الفرد يتمترس بطائفته ضد شريكه في الوطن، أضحت أمورا مثل الفساد والسرقة والتزوير بديهية لا ينقصها سوى ان تدرس في المدارس لتكتسب شرعية بعد أن اكتسبت قبولا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة