الرسم بين اشتغال الوثيقة وتشفيرات النص الفني

في تجربة هادي ماهود التشكيلية
عادل كامل:

لم تبخل أصابع الرسام العراقي عن أداء، مقدمات، استند إليها هادي ماهود، منذ لوحة (حواء) للفنان أكرم شكري، ومنذ تجارب متفرقة لجواد سليم، التي رافقت يومياته ورسائله، ومنذ معالجات راكان دبدوب للأنثوي العنيد في أسراره، مع ذكر مصغرات، وانشغالات شاكر حسن بالرسم، كي يخضعه للقصد، حتى عندما جعل هاجسه بالعالم الآخر، قصدا ً حميما ً،وذكر (مصغّرات) كاظم حيدر، قبل تجربة لندن، عندما سمح للدال أن يأخذ مداه في الرسم، وليس في المعنى. ولعل تجارب هذا الاتجاه، لم تظهر واضحة كما ظهرت بعد حرب (1991) حيث كفت هذه التجارب عن البذخ الزخرفي، وكل ما أسسه ضياء العزاوي ورافع الناصري، للانتقال إلى تجريد بلغ ذروته بجعل الرسم ذاته علامة، وليس شرحا ً أو إيضاحا ً أو وظيفة. ولم تكن تلك التجارب معزولة عن محركاتها: ما بعد الحداثة، والحداثة، وفنون الشعوب اللا كتابية. فالتجريد راح يعمل خارج دائرة تصّدع الأوهام، لينشد، بصمت، آساه. لكن جمالياته لم تكن خارج عمل حرية السوق، واشتغال العولمة وقسوتها. فحرية السوق، ضمنا ً، سمحت لحرية السجون أن تولد، عبر آليات تقنين العمل، والملكية، ومنها: المخيال. ولأن الفن، كالبضائع، فانه وجد في المأزق، والتصدعات الاجتماعية، السياسية، الروحية مناخا ً له لمغادرة دوافعه السابقة: أيديولوجياته وأناشيده، فقد غدا التجريد استحالة لم يعد يحدق في العتمة، وإنما، كان قد ترك العتمة تمنحه ممرات للعبور إلى ما بعدها. فالتأويل لم يثمر إلا رمزية متعالية للبضائع، والربح. فظهرت عشرات التجارب، بهذا الدافع، اكثر انشغالا ً بالمهمل، والزائد، والمائل، والفائض. وكانت دكاكين الفن، وسماسرة أصحاب بعض القاعات، لا يبخلون بإنضاج هذا الضرب من الفن، المزود بمرجعيات وفلسفات أكدت أهمية (النص) في ذاته، ضمن كوكب تتعرض فيه اعتى الكتل، إلى التفكيك، والانحلال. هذا الانشغال، بالرسم من اجل الرسم، لم يكن فائضا ً تماما ً، لأن (المعنى) ذاته، عبر الحقب والحضارات، لم يتخل عن نفيه. فالتجريد وجد استجابة، بالتحرر من قيود أوهام استنزفت المخيال، مثلما سلبت الواقع، وسحقته. فالبحث عن عتمة (شفافة) سمح للرسم، اكثر مما سمح للنحت والخزف وباقي الفنون، بمنح الحرية، لعبا ً على حبال هي من صنع عالم لم يعد يمتلك يقينا ً، كما امتلك التصدعات، والضحايا. وضمنا ً، لم تكن حرية الأصابع، بمعزل عن محنة (الوعي/ عمل الدماغ) ولغزه، فكلاهما، الأصابع والوعي، لا يعملان خارج الحساسية، وخارج (إعلانات) عصر غدا اكثر خضوعا ً للعشوائية، ولصرامة التصميم، لأن تفكك الأيديولوجيات، ليس محض مصادفة، أو عملا ً عشوائيا ً، بل لم يغب عن عمل أيديولوجية السوق بما تمتلكه من أهداف وانساق وأخلاقيات.
هنا تمثل تجارب هادي ماهود، مع تجارب أخرى لم تعد خاصة ببلد أو قارة ـ لكنها، كي لا تغيب عنها حدودها ـ في البنيات المصّنعة أو المخربة، أو التي لما تزل تتعرض للاضطراب والتحول ـ فإنها تتشبث بالمغامرة كأحد عناصر التجريب. فالشعري، كمكون للخطاب الجمالي، يسمح للمخيال ان يوظف الخامات، بحرية لا تأسر المعاني، أو تحتجزها، بل، على العكس: تطلق سراحها، ليس بالمعنى الرمزي، أو الانطلوجي فحسب، بل بمعنى تحرير كل هذا الذي فقد مداه، وزمنه. ففي الشعر، شعرية تعّرف عبر مغامرة البحث في الظلمات (المجهولات) عن جهد لا يكلل باحتفالات النصر، بل بخسارات لا تني تمسك بما هو خارج الأدوات، والربح. فثمة، في فنون حقبة أفول العولمة، لا تعمل باليات التنصيص أو الاستنساخ أو التكرار أو الاستعادة، بل بما يجعل التجربة الفنية، تمتلك قدرات تمنح المراقب، لذائذ لا يكتفي بمراراتها، وإنما كي لا يكتفي بها، وهو اكثر فهما ً لمفهوم البعث، في انشغالاته البكر: الدفن. فثمة، عندما يكف المكان عن آليات انجازه للعلامات (لزمنها/ وللزمن) يأخذ الفن لا زمنيته، وكأنه لا يوهمنا ـ كما تفعل المعتقدات الأسطورية ـ بالأبدية: المكان، وإنما بالتتابع في تقصي الإمساك بلغز المخفي، الذي يدمج أوهامه بما نراه بصريا ً، في شرارات الشعري، داخل حدود الرسم، ورمزيته، وإنما، في الغالب، بما يحافظ على دحض الوهم، بمنطق المغامرة، والذهاب ابعد من المرئي، وابعد من المكان.
هادي ماهود، وهو في سن المغامرة، ومغمور، كمعظم زملائه أو من سبقه، في الشهرة، تقع معظم تجاربه الفنية ـ ومعظم تجارب الحداثة في الفن العربي المعاصر ـ تحت تأثيرات تيارات أما أن تغادر تقاليد الرسم، وأما أن تستند إلى الأنظمة المتكاملة التي غلب عليها طابعها الراديكالي، أو البدائي، أو التجريدي بتنويعاته المختلفة. هادي ماهود، كمعظم الرسامين الجدد ـ بعد 1991 ـ لم تعد تشغلهم الزخارف أو المعاني، وإنما انحازوا، في الرسم، إلى التقويض والأقنعة والسطوح. كانت بضائع أوربا الفنية، طوال القرن العشرين، تأتي، كالسلع، لا تسمح بالإضافات أو التعديل. على أن الانشغال بالبصمات أو هوية الفنان لن تدفع إلى الدحض، أو التمسك بأصول قديمة، إلا في حدود دعوات جماعة بغداد للفن الحديث: المزاوجة بين الذاكرة والمخيال. انه مشروع يخلو من الانشغال بالنفس، والتأمل، فضلا ً عن حالة القلق، والخلخلة النفسية، حيث ولدت فكرة: التجريب .. ومن ثم: الإنبات.
هادي ماهود، هنا، خلال السنوات الخمس الأخيرة، لا ينسج، ولا يبني، ولا يركب، إلا بحرية اللعب: التلطيخ. وأنا اجهل ما إذا كان سيدرك أن خزائن الطفولة البكر، ستلازمه، في فنه أم انها ستتوارى ضمن دوافع الوعي، والسوق، والثقافة الاجتماعية في عادتها العنيدة..؟ لكنه لا يوهم نفسه، ولا يوهم المتلقي، ولا الفن، باستعادة فن الطفل، أو خياله، أو منطقه، كما فعل فاخر محمد وضياء الخزاعي وعاصم عبد الأمير وصدر الدين أمين ..الخ إنما توقف عند (الخامة) في الحفاظ على إقامة نصوص لا تسعى إلى تحديد موضوعاتها، أو تنغلق داخلها. فالرسام يلطخ بمثل هذه الحرية المقيدة بخبرة الحواس من ناحية، وبالإيماءات الخفية للحياة ذاتها. فهو كالاثاري يستدل على الحضارات الغائبة، بحضور غير مرئي، في التلال والمواقع. إن الحديث عن فنان يلطخ، لا يوقعنا في فخ النكوص، أو عدم النمو، وإنما يمهد للمراقب التعرف على انشغال شارد بالبحث عن رهافة وحساسية وتوازنات داخل النص. فالفنان يرسم نفسه بالتوحد مع خاماته وبدوافع الرسم. فالعلاقات تدفع بالتجربة لرؤية المشهد متكاملا ً: المؤثرات/ الفنان/ والنتائج. لكن المجال الفني ـ الخامات وعمل الذهن عبر الأصابع ـ يبني أو يهدم: انه ينفذ مشروعا ً للتواصل. فالواقع لا يراه هادي ماهود إلا عبر خاماته، وقد راحت أصابعه تتلهى ـ بشعرية وعفوية منضبطة ـ بها. فهو لا يدفع بالجمال إلى البذخ، أو جعل اللذة خالصة، وإنما بالبحث عن درب مارسه رواد الحداثات، خلال القرن العشرين: ما تمتلكه العناصر في عمليات البناء، من ومضات.
إن الرسام لا يحاكي صور الغيوم أو الأشجار أو الأشخاص،بل يلطخ، لأنه يرى المرئيات شبكة من العلاقات، وقد جعلها خاضعة لعمله السحري ـ الفني معا ً. فالحداثة العالمية ـ عامة ـ في هذا الجانب، عملت على نبش مدافن أحلام غائبيها، وإعادة الحياة إليها، بالخامات، وليس بدوافع الوهم. لكن المرئيات هي جزء من مشروع منح البيئة عملا ً لم يغادر عمل السر، في وسائله، نحو غاية ستبقى محكمة الانغلاق. فالموضوعات لا تتكلم. العناصر وحدها تدفع بالصمت إلى حافاته: الهمس أو صمت اللسان وترك الأصابع تؤدي وظائف الجسد السحري وبعمل الدماغ الشعري. فثمة علاقة متوازنة بينهما تتجلى في توزيع المساحات اللونية، وما تعمل على إظهاره. إن العمل البصري للأشكال، وقد تشبع بالمصادفات، والتلقائيات، ضمن نظام اللعب، وسحر الفعالية، سينتظم، كي يحافظ على أقدم جذر لحداثة عصر راح يحدق في المجهول. انها عودة تغادر اثر (العدم) أو الفراغ، نحو مكاسب معادية للاستهلاك، أو عمل حرية السوق. على أن تعددية الأساليب، لا يوضح بالضرورة طريقا ً صريحاً، أو هدفا ً محددا ً، وإنما ستكمن العملية ـ برمتها ـ في المشروع (الانباتي) للذات والخامات وما تبثه محركات المرئيات من مخفيات. إن هادي ماهود يمتلك حرية داخل نظام هذه الضوابط: عناصر الفن .. وشعرية أصابعه في رقصها السحري، وفي العمل الخيمائي للخامات بتحويلها إلى قصائد ـ وأحلام ـ يغيب عنها الكلام، لصالح صمت اخذ شكل الخطاب.
هادي ماهود، ترعرع في مناخ غابت عنه المؤسسة الفنية، وتقاليد العرض، والثقافة النقدية. فالمختبر غدا اقل صلة بتقاليده، التي بلغت ذروتها في معهد الفنون الجميلة، حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي، وعبر دور ثلاث جماعات فنية أنتجت تنوعها الأسلوبي. فالسنوات العشرين الأخيرة، عمتها الفوضى، إلا انها لم تكن بلا قيود. فقاعات العرض، وليس المؤسسات الرسمية، أسهمت بجذب الأسماء الأكثر رغبة بتأصيل حداثة فاتحة القرن العشرين. في هذا السياق، غاب المختبر، بما يؤديه من اهتمام بالتجريب. فبعد تعطل دور معهد الفنون الجميلة، في بغداد، وتعطل عمل قاعات العرض، وغياب محاولات لتأسيس محترفات للكرافك أو الخزف أو النحت، تحتم، وبعد (2003) أن يواجه الفنان قدره بأية وسيلة تساعده على البقاء. فلم يبق من رواد الفن من سيشكل ظاهرة امتداد، عدا أسماء للذكرى، ربما كان لوجودها استفزازا ً للتخلي حتى عن أفضل منجزاتها، للمضي ببلورة مختبراتها الخاصة. فبعد رحيل فائق حسن وصالح القره غولي وإسماعيل فتاح، وهجرة عدد كبير من الأساتذة والفنانين، وبعد أن نكب الفن العراقي بتدمير مركز الفنون وفقدان محتوياته، لم يبق الكثير من العون لدي الجيل الشاب، والجديد، إلا لملمة جراحه، بالمعنى الواقعي، وانتظار بذل جهد لا مناص لا يقارن إلا بجهد (المتصوف) في بلوغ درجة القطيعة مع الكل (الآثم) وفي الخلاص الفردي: جهد لا يمتلك لا يمتلك أن يتمرد، حد الدحض، على ماضيه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة