صورة المغاربي في الكتابات الكولونيالية الفرنسية

د. محمد رضوان:
هناك إشكال ثقافي مضمر في علاقة فرنسا بمستعمراتها المغاربية السابقة، وخاصّة منها المغرب والجزائر. وكثيراً ما يطفو هذا الإشكال على السطح عندما يواجه المغاربي نوعين متناقضين من الخطاب الفرنسي تجاه تاريخه وواقعه وقضاياه: خطاب سياسي مجامل، تحكمه المصالح، ويصدر- في غالب الأحيان- عن رجال دولة في موقع السلطة والمسؤولية في بلاد الغال، وخطاب ثقافي وإعلامي استعلائي تحكمه رؤية متمركزة على الذات، تنظر إلى الآخر وكأنه في موقع الهامش المتخلِّف، أو في أحد مربَّعات المجال الحيوي السياسي، والمجال الاقتصادي، والمجال الثقافي لفرنسا الاستعمارية المتقدِّمة.
ولفهم هذا الإشكال المتعلِّق بازدواجية الخطاب الفرنسي ومعه الأوروبي، وخاصّة ما يرتبط منه بالتمثُّلات السلبية المعيبة عن الشخص المغاربي، والعربي بصورة عامّة، يمكن تفكيك هذه الصورة في التراث التاريخي الكولونيالي عن المغاربيين، ومعهم شعوب المستعمرات الفرنسية السابقة في إفريقيا جنوب الصحراء.
ودون التوغُّل في غياهب هذا التراث، يكفي القول إن كثيراً من المؤرِّخين الفرنسيين، ممّن عُنوا بتاريخ بلاد المغارب وشعوب شمال إفريقيا، وعُدّوا روّاداً في فرنسا في هذا المجال، ومراجع علمية عند كثير من مؤرِّخينا، ساهموا، إلى حَدّ بعيد، في رسم صورة مسيئة للشخصية المغاربية في المخيال الأوروبي عامّة، والفرنسي خاصّة، بل حتى في أذهان بعض المغاربيين المتشبِّعين بالثقافة الكولونيالية والمتأثِّرين بالحوليّات التاريخية الفرانكفونية.

تاريخ مغاربي غير متطوِّر و طفرات متقطِّعة

يدعي (إميل فليكس غوتييه) وهو متخصِّص في تاريخ بلدان المغرب العربي، ومن أشهر من كَتَب في هذا الموضوع من الفرنسيين في الفترة الكولونيالية، وأشدّهم تأثيراً في عدّة أسماء وازنة جاءت بعده، أن تاريخ المغرب، ومعه الجزائر وتونس، يتضمَّن عدّة قرون مظلمة خالية من الفعل والإبداع والإنتاج، سواء في العصور السحيقة أو في الأزمنة الحديثة، وكأنه يريد أن يلمِّح بذلك إلى أن هذه المنطقة كانت في الماضي منعزلة وخاملة، لم تعرف أي نشاط أو حركة قادتها إلى المدنيّة والحضارة مثلما حصل في شمال المتوسّط وشرقه.
ويذهب غوتييه في كتاب عن تاريخ شمال إفريقيا، صدرت طبعته الأولى، في 1927(1)، إلى أن بلاد المغارب ما زالت تحتفظ بأشياء عتيقة جدّاً فقدت صلاحيتها في أماكن أخرى، ولا يزال العصر الحجري في هذه البلدان بادياً للعيان، فيما يعدّ الحاضر عاجزاً عن زحزحة الماضي، بحيث إن كثيراً من المباني المشيدة بالأحجار لا زالت تحمل كتابات بادت لغتها وحروفها، مما يجعل المغاربي المنتمي إلى الأعراق المتوسِّطية البيضاء عنصراً متأخِّراً ومتقهقراً جدّاً إلى الوراء. ويزعم هذا المؤرِّخ أن الإنسان المغاربي ظل طوال تاريخه متكلِّساً لا يعرف حيلة للإبداع والإنتاج، ومن ثَمّ ظلَّ يعيش على ما يبدعه الآخرون وينتجونه، حتى في مجال الزراعة التي اشتهرت بها بلاد المغارب.
ولإيضاح ذلك يلجأ غوتييه إلى مقارنة بين بلدان المغرب العربي وبلاد فرنسا، فيرى أن هذه الأخيرة لم تتغيَّر جذرياً، في خاصّيّاتها الطبيعية العامّة، منذ أكثر من ألفَيْ سنة، وحتى إذا حصلت فيها بعض التطوُّرات، فإن ذلك لم ينل من جوهر صفات البلاد الرئيسية، بينما في بلاد المغارب توجد كثير من العناصر الطبيعية والزراعية قد وفدت إليها من آفاق قريبة أو بعيدة، ومن ثَمّ فإن ما تنتجه هذه الأرض ليس من تربتها في الأصل، وإنما يعود إلى أراضي شعوب أخرى نائية. ويرى غوتييه أنه، بخلاف تاريخ البلدان الأوروبية الذي يتّجه ضمن صيرورة متطوِّرة ومتقدِّمة نحو الأمام، فإن تاريخ بلاد المغارب عبارة عن فترات متقطعة من التحوُّلات المفاجئة التي لا يكاد يربط في ما بينها رابط عقلاني قوي، بسبب طبيعة الشخصية المغاربية التي لا تقبل النظام والوحدة والاستقرار.
أما المستشرق الفرنسي (شارل أندري جوليان) فيرى أن النزعة الانعزالية المحافظة لهذه الشخصية، والتي ساهمت فيها عوامل تضاريسية كالجبال، هي التي حالت دون تفاعل حَيّ ومتطوِّر لسكّان المنطقة مع الحضارات القديمة المتعاقبة التي وفدت من الخارج.

المغاربي شخصية متناقضة، ولا يمكن أن يعيش من دون سَيِّد

تتعدَّد الصور النمطية السلبية عن الشخصية المغاربية في التراث الكولونيالي، وخاصّة منه الفرنسي. وظلَّت هذه الصور تمارس تأثيرها، بدرجات متفاوتة، إلى يومنا هذا، ومنها ما عَبَّرَ عنه (ناهون) وهو أحد الكتّاب المعمّرين الفرنسيين، من أن نفسية المغربي معقَّدة في العمق، لأنه يفتقد إلى المعرفة الواسعة، ولا يمتلك سوى نماذج معرفية محدودة يتفاعل بها مع الأحداث والظروف المستجدّة، وهو ما يفسِّر عدم حصول تفاهم بينه وبين المعمّرين الفرنسيين، فهؤلاء يعرضون أفكارهم بوضوح، وبشكل مختلف عن المغاربة الذين يعجزون عن فهمها.
ومن الأحكام السلبية تجاه المغربي في الكتابات الكولونيالية- أيضاً- أنه فرد غير قادر على الإحساس بذاته واستقلال شخصيّته؛ فهو يشعر دوماً بالحاجة إلى سَيِّد يحكمه، أو جماعة تضمّه، أو قبيلة يحتمي بها، كما أن حبَّه للمظاهر والاحتفاء بها لا حدود لهما؛ مما يدفعه إلى الطمع الذي يلجأ، بسببه، إلى كل الأساليب لكسب ما يلبّي به هذه الرغبة، حتى وإن كانت غير مشروعة، فهو يبحث عن المال لإرضاء نزواته. ولذلك، فإنه بقدر ما يجمع من المال والثروة يبددها بسرعة، فالحب الجارف للمال يُعَدّ خصلة نفسية للمغربي، بحسب ما يَدّعي (برينو).

من هو المغاربي الحقيقي في الكتابات الكولونيالية؟

لكن، من تكون هذه الشخصية المغاربية التي يتحدَّث عنها الكتّاب الكولونياليون، ويحمِّلونها، بهتاناً، كل هذه النعوت السلبية الحاقدة؟ هل هم الأمازيغ الذين يقولون إنهم يسعون إلى بعث ثقافاتهم وعاداتهم ولغتهم بوصفهم السكّان الأصليين ببلاد المغارب؟، أم هم العرب ؟
تحفظ المكتبة الكولونيالية مؤلَّفاً لا زال رائجاً، إلى اليوم، في أكشاك الكتب في المغرب، وهو للأخوين الفرنسيين (جيروم، وجان تارو) عن حاضرة فاس العريقة وساكنتها، وقد وضعا له عنواناً لا يخلو من إثارة؛ (فاس، أو برجوازيّو الإسلام)، إلى جانب كتابين آخرين: الأول بعنوان (الرباط، أو اللحظات المغربية) والثاني (مراكش)، أو (أسياد الأطلس).
ويبدو أن الأخوين (تارو) لم ينجذبا إلى الموروث التاريخي، والموروث العلمي، والموروث السياسي لمدينة فاس، بقدر اندهاشهما للطابع «القروسطوي» الذي ظلت هذه الحاضرة الإسلامية- في نظرهما- تحافظ عليه إلى غاية العشرينيات من القرن الماضي. وبدا المؤلِّفان وكأنهما مغتبطان باكتشاف مدينة عتيقة توجد على مسافة غير بعيدة، بالطيران، عن فرنسا المتقدِّمة. فلكم هي (أي فاس)- في رأيهما- موغلة في القدم، وشبه بدائية، وغارقة في التقاليد المتلاشية والعادات الغابرة! وليس ذلك قاصراً على الأوساط الفاسية الفقيرة، بل حتى في الطبقة البرجوازية التي اشتهرت بها هذه الحاضرة. فبرغم وضعها المادّي الميسور، فإن هذه الطبقة لم يخلِّصها تعليمها أو ثقافتها من أنماط الحياة المتخلِّفة عن روح الحضارة الأوروبية.
وكان بعض الكتّاب الفرنسيين يقصدون تحريف الوقائع الاجتماعية والمعطيات على الأرض، أو تشويهها؛ إرضاءً لبعض السياسيين الذين تغمرهم نزعة عنصرية حاقدة؛ فعندما قام المغربيان أحمد بلافريج ومحمد الفاسي، في ثلاثينيات القرن الماضي- وهما، إذ ذاك، طالبان مقيمان بباريس- بترجمة محاضرتين للأخوين (تارو) حول تاريخ المغرب والأندلس في عهد الدولتين المرابطية والموحّدية، والتعليق عليهما بمشاركة الكاتب اللبناني شكيب أرسلان، الذي قام بتحرير مقدّمة لهذه الترجمة المُعَنْوَنة بـ (أزهار البساتين)، حرصت سلطات الحماية الفرنسية على منع الكتاب والحيلولة دون طبعه في إبريل/نيسان، 1932؛ اعتقاداً منها أن ما صاحَبَ هذه الترجمة من تعليقات وملاحظات ينال من سياستها العنصرية الرامية إلى التفريق بين الأمازيغ والعرب.
ولا شكّ في أنه، إلى جانب القراءات المحرَّفة لتاريخ المغرب العربي، كانت الصورة المحبطة للمغاربي، في الكتابات الكولونيالية، تسعف الإدارة الاستعمارية في سياساتها التعسُّفية تجاه المغاربيين، وربَّما لا زالت تلك الصورة تُحدث تأثيرها، إلى اليوم، في خيال عدد من الفرنسيين وفي سلوكهم تجاه المغاربيين!!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة