(من دونك يا أمّي)… رحلة البحث عن الشِّعرية

د.لؤي علي خليل

إذا كانت الشاعرة القطرية (زكية مال الله ) قد ابتدأت مسيرتها الشعرية، من منتصف الثمانينيات إلى بداية التسعينيات، بأربع مجموعات شعرية، تتّكئ على رومانسية الحبّ والعشق، وتتّخذ من عروض الشَّعر العربي مظهراً أساسياً لها، فها هي ذي في آخر إصداراتها (من دونك يا أمّي)، 2015م، تتابع مرحلة التجريب التي ابتدأتها منذ مجموعتها (من أسفار الذات)، عام 1991م، حين خرجت من قميص الرومانسية، ومن قميص العَروض العربي، لتبحر عبر تجارب خاضت فيها: الشَّعر العامّي، والنثر الشعري، والمسرحية الشعرية، والرواية الشعرية، والملحمة الشعرية، والقصيدة النثرية الطويلة.
وفي مجموعتها الأخيرة (من دونك يا أمّي)، التي جاءتنا بعد غياب، يطالع القارئ قسمين من النصوص: بوح نسائي يمتدّ على ورق النصف الأوّل من المجموعة، ويبحث في أحوال العشق والعاشق والمعشوق، لمعشوقٍ بشريٍّ متخيَّل، حاضر غائب، كما في أغلب قصائد القسم الأوّل، ولمعشوق فوق بشري كما في قصيدتَيْ (للمولى)، و(قبل حلول الفجر)، وتتناثر بين قصائد القسم الأوّل خمس لوحات تغرِّد خارج السرب، خمسة نصوص مهداة إلى الطفولة، والأخ، والخالة، والصديقة، والأستاذ، نصوص تعزف درجات أخرى من درجات الحبّ، أما القسم الآخر من المجموعة فمخصَّص للأمّ التي طوتها يد الزمان، مخصَّص لذكرى الفقد والغياب؛ ولذلك تتكرَّر فيه مشاهد القبر، ورائحة الموت والاشتياق للماضي.
ويغلب على نصوص هذه المجموعة أنها- في الغالب الأعمّ- نصوص (رؤية) لا نصوص (رؤيا)، فهي حالة بوح لتجربة إنسانية محدَّدة، تتكرّر في كل قصيدة، ولو أن القارئ حذف العنوانيات من النصوص لبدت كأنها نصّ واحد، تكاد لغته تتّفق: صوراً وتراكيب وأفكاراً. وهذا الأمر لا يبدو منسجماً مع الشكل الفني الذي اختارته النصوص؛ فمنذ أن أعلنت القصيدة العربية الحديثة انزياحها عن خطّ القصيدة التقليدية، كان أوّل خطوات هذا الانزياح اعتمادُها الرؤيا منارةً هاديةً تُلملم شعث القصيدة، وما تناثر من أشطرها ودفقاتها وتفعيلاتها، لتكون بديلاً عن المعايير القديمة لقصيدة الأبحر الشعرية التي تضمن لها التماسك. ولسنا، هنا، في معرض الحكم على هذا الانزياح أو حتى تقييمه، ولكن، يحسن بنا أن نشير إلى أن نصوص المجموعة تقدّم- بحقّ- عيّنةً لمعرفة الخطّ الذي أخذت تسير فيه النصوص المعاصرة التي تتَّخذ من الشكل الحداثي مظهراً لها.
وإذا كانت زكية مال الله لا تزال تراهن، في هذه المجموعة، على النثر الشعري أو (قصيدة النثر)، كما يحلو للبعض أن يسمّيها، ولا تزال ترى فيه قالباً قادراً على نقل تجربتها إلى المتلقّي العربي والمتلقّي الخليجي، على نحو خاصّ، فلعلَّ من الوجاهة النظر في ملامح الشعرية التي ارتضتها لهذه النصوص، لا سيّما أن عدداً من شعراء قصيدة النثر حاولوا أن يستعيضوا عن الوزن بمتَّكآت من خارج النصّ لتعوِّض النقص الإيقاعي، فلجأ بعضهم إلى توظيف الصور والرسوم داخل النصّ (في إطار النصّ المكتوب)، ولجأ آخرون إلى استثمار آلة موسيقية تصاحب إلقاءهم الشَّعر، لا سيّما في اللقاءات الجماهيرية.
لعلّ أوَّل ما يبادرنا من ملامح الشعرية في نصوص (من دونك يا أمّي) كثافة الصورة ولهاثها، فالصورة تأخذ بعنق الصورة، مما يشكِّل حالة إغراق لحواسّ المتلقّي، تنجح، في النصوص الأولى، في جذبه نحو فكّ طلاسمها وأسرارها، فهي- في الغالب الأعم- ليست صوراً تقليدية، بل تحمل قدراً كبيراً من الأصالة والجِدّة والانزياح عن المألوف في العلاقات الداخلية التي تقيمها بين أركانها:

أرتاد فضاءك
أوري حطب الأنجم
أشتعل بجمري
من علَّمني أن أبحر في ظلمات الكون؟
ويبدو واضحاً أن ابتداء الأسطر بالفعل المضارع وبهمزة المضارعة قد ساعدا على تأكيد ارتباط الأسطر، بعضها ببعض، فبدت الأسطر كأنها متوالية ذات بداية موحَّدة.
بيد أن من محاذير استعمال هذه التقنية، (أقصد تقنية إغراق النصّ بالصور) أن أثرها قد يخبو بسبب التكرار والألفة، ولا سيّما إذا غاب ما يمنحها الخصوصية في كل نصّ، كما قد تصيب المتلقّي بشيء من الإرهاق الفكري؛ بسبب سعيه الحثيث وراء فكّ الانزياحات، وتفسير ما غَمُضَ من الصور.
وليس بعيداً عن تلك التقنية المتعلِّقة بالصورة طول الدفقة الشعرية، فتبدو الكلمات في سباق محموم، لا فواصل له إلا المسافات البيضاء بين الأسطر، فكأنما تأتي القصيدة دفعةً واحدة، وتُقرَأ دفعةً واحدة:
مات حبيبي
نبت في أحشاء الوردة قبر
أشتمّ ريحك في عبق الوردة

ومع وجود فراغات بيضاء بين مقاطع بعض النصوص، فإننا لا نشعر بأن تلك الفراغات تشكِّل فواصل بنيوية حقيقية، ووجودها أو عدمه سيّان، لأنها تنشئ مسافة خادعة على الورق، أما على مستوى تنامي القصيدة، فلا فراغ ولا استراحة ولا مسافة فارقة.

والحقّ أن هذه التقنية قد تعكس تماسك النصّ وارتباط أجزائه، بعضها ببعض، وكذلك وحدته العضوية، فكأنما يأتي النصّ إلى الشاعرة دفقة واحدة، في لحظة شعرية واحدة، لا فواصل فيها ولا استراحات. ومع ذلك يحسُن التعامل، بحذر، مع هذه التقنية؛ لأنها قد تتحوَّل، في لحظة، إلى عامل تنفير لا عامل جذب، لأنها ترهق المتلقّي الذي اعتاد الفواصل الإيقاعية والمعنوية في النصوص الشعرية والنصوص النثرية, على حَدّ سواء؛ ففي الشَّعر القديم كانت الفكرة تنتهي بانتهاء البيت، ويندر أن نجد فكرة واحدة تمتدّ إلى بيتين (لأسباب تتعلَّق بسيطرة الثقافة الشفاهية ذلك الحين)، وكذلك في النثر المكتوب، تنتهي الفكرة بانتهاء الفقرة، أما أن تجري القصيدة بَنفَس واحد فذاك أمر نترك الحكم على جدواه للزمن القريب، ريثما نرقب ردّة فعل المتلقّي على هذه المجموعة.
ومن ملامح الشعرية- أيضاً- اعتماد تقنية النصّ المُدَوَّر أو الدائري؛ بحيث يبدو النصّ دائرة، يدور المتلقّي في فلكها، فيشعر أنه انتهى من حيث ابتدأ، وكأنه سيعيد الكَرّة من جديد.. وهكذا دواليك: كلما انتهى عاد إلى البداية، في سيرورة مستمرّة (إن صَحَّ التعبير):
بداية: حين نقتسم البؤس نوزِّع ما بالقصعة على الموتورين
نهاية: أوزِّع من ذاتي بعض الفيء

ونقرأ أيضاً:
بدايةً: في اللحظة تبدو كل الأشياء سرابْ
نهايةً: كلّ اللحظات هباءً

وفي إطار بحثها عما يذكي فتيل الشعرية في النصوص حاولت الشاعرة زكية مال الله أن تستثمر فعل القَصّ (بما له من سحر وإغواء)، وتزرعَه بين طيّات نصوصها، معتمدةً السرد القصصي، في مظهره اللغوي، تارةً، وفي ما يسمّى اللحظة القصصية أو القصّة القصيرة جدّاً تارة أخرى؛ فمن النصوص التي استثمرت السرد القصصي، لغةً، قولها:

تحوم كفراشة
تلعق آثار الشهد على الأوراق
وتحلِّق بعيداً

ومن النصوص التي استثمرت القصة القصيرة جدّاً:
أنا بضعة من زحام
وكثير من الضجيج الذي يتوافد أمام شبّاك غرفتي
ويوهمني بأنني لن أتمكَّن- بأيّ يوم- من إغلاق النافذة
والاستكانة لصوت موسيقى هادئ
ولكن، يبدو أن غواية القصّة قد فتنت الشاعرة فاستسلمت- على غير وعي- ربما لفعل القصّ، فأخذها، في بعض الأحيان، نحو متاهته، نحو مساحات قصصية نائية عن عالم الشَّعر، هناك، حيث استسلم الشعر للنثر:

صكوك العملة تطبعها على كفّيك
واحدة تكتبها باسمي

والثانية عشقي لك

وما يلفت النظر حقّاً، في مجموعة «من دونك يا أمي»، استغناء الشاعرة عن الوزن: بحراً وتفعيلةً، واعتمادها النثر الشعري في المجموعة كلّها تقريباً، والاحتراز الذي أستعمله هنا، باستخدامي كلمة (تقريباً)، سببه وجود نصّ موزون استثمر تفعيلة بحر الرمل (فاعلاتن) بجوازاتها، غير أن هذا النصّ نفسه لم يبقَ أميناً لها، فخرج عليها في بعض أسطره نحو (مفاعلتن) بجوازاتها (العصب: تسكين الخامس)، ولو أن النصّ كان يراوح بين هاتين التفعيلتين لكان الأمر منسجماً مع معايير الإيقاع الوزني، ولكن النصّ مبني كله علـــى (فاعلاتن)، ما خلا سطراً واحداً فقط ظهرت فيه تفعيلة (مفاعلتن) فبدت التفعيلة الجديدة مخاتلةً للإيقاع، وكأن المجموعة، بنثريّتها، أرادت أن تنتقم من النصّ الوحيد الذي حاول أن يتحالف مع الوزن، فَثَلمتْه من وسطه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة