الثقة بالنفس ورؤية الايجابيات.. استثمار ناجح

باتت نزعة التشكيك والتشاؤم والاحباط والوقوف عند السلبيات فقط ثقافة سائدة لها محركاتها واسباب انتشارها.. فالعلاقة بين الدولة والمواطن بنيت تاريخياً على اسس هشة حيث يشعر المواطن ان الدولة لا تخدمه وتقمعه وتتحايل عليه، لذلك يطعن بها ويتحايل عليها هو ايضاً.. وهو ما يستغله الخطاب التحريضي والذي يعتمد اسلوب الفضائح، الصحيحة والكاذبة، والذي يجد اصداء اكثر بكثير من أي خطاب للتهدئة او لذكر الحقيقة. لذلك تنتشر الشائعة اسرع مما تنتشر المعلومة الصحيحة.. وتتعيش الكثير من الفضائيات والمواقع على المغالطات اكثر مما تعتمد على المعلومات.. بل صار هذا المنهج هو الاساس لدى كثير من السياسيين والقوى الساعية لكسب الاصوات، اكثر من تبني المواقف البناءة والناجحة.
ولاشك ان الامر لن يتغير عبر الوعظ والنصيحة فقط، بل لابد للناس من ان يتحسسوا حقائق جديدة تدخل فهمهم وحياتهم.. وللاسف لم نحقق كحكومات وقوى سياسية المستوى المطلوب لقلب المعادلة اما لقصور او تقصير، لكن هذا لا يعني ان العراق لعوامل عديدة، تتجاوز فعل الحكومات والقوى السياسية، لم يتقدم ويحقق الكثير من الايجابيات.
صحيح ان المصاعب الحياتية ونقص الخدمات، والاوضاع الامنية، والخلافات السياسية، والانقسامات الطائفية والاثنية، والكثير من الفوضى السائدة ستعزز اتجاهات التشاؤم.. لكن سيغالط من يقول ان مستوى معيشة العراقيين قد تراجع عن 2003.. او ان معدلات الموت –برغم الارهاب والانتحاريين- لم تتراجع عن عقود القمع الشمولي والحروب الداخلية والخارجية، او ان الخلافات المذهبية والقومية والسياسية، والكثير من اجواء الفوضى، لم تكن بسبب الحريات والانفتاح والحقوق التي بات العراقيون يتمتعون بها، وليس العكس. فالوضع متداخل ومعقد.. ولا احد ينكر صعوباته ومخاطره، لكننا سنخون مسؤولياتنا، وتزداد مخاطرنا وصعوباتنا، ان لم نر الكثير من الايجابيات المتحققة، خصوصاً في اساسيات الامور. وهذه بعضها:
1. لم يكن بالامكان سابقاً، ان تنزل فيه الجماهير بعشرات الملايين، كما حصل في الزيارة الاربعينية من دون حوادث امنية تذكر، وبهذه الوحدة وهذا الاندفاع وهذا السخاء.. هذه الجماهير التي انطلقت للحسين عليه السلام، سبق لها ان حضرت الانتخابات، بارقام تحلم بها الدول الاخرى.. فعدم الرضا شيء، والاخلاص للتجربة شيء آخر.. يجب رؤية ذلك ووضعه في رصيد التجربة وليس خارجها.
2. لم يكن بالامكان سابقاً، التصدي للارهاب ودفعه الى الوراء، وان نرى القوات المسلحة والحشد الشعبي والبيشمركة وقوى العشائر والقوى الاخرى تتحد في حربها ضد «داعش»، برغم الكثير من الخلافات بينها.. بينما نرى امامنا دولاً نخر الارهاب عميقاً في نسيجها، في حين استطاع العراق تطهير الكثير من اراضيه من رجسه، وحصن الاغلبية الساحقة من ابنائه من سرطانه، يجب رؤية ذلك ووضعه في رصيد التجربة وليس خارجها.
3. لم يكن بالامكان سابقاً ان نرى الشحة المالية بسبب انهيار اسعار النفط، برغم ذلك ترتفع معدلات الانتاج والتصدير بنحو يتقدم على ما كان يتحقق، عندما كانت البلاد باحسن اوضاعها المالية والامنية، يجب رؤية ذلك ووضعه في رصيد التجربة وليس خارجها.
4. لم يكن بالامكان سابقاً رؤية هذا الحشد الدولي الذي يلتف حول العراق من قبل جميع الفرقاء الذين قد يختلفون فيما بينهم، في حين يريدون جميعاً الصداقة مع العراق، يجب رؤية ذلك ووضعه في رصيد التجربة وليس خارجها.
5. لم يكن بالامكان سابقاً، ان تمنح هذه الحريات والحقوق، ويتصارع الجميع في اطار دستور دائم، وعملية سياسية ما زالت مرتبكة، وعملية ديمقراطية ما زالت هشة، ووضعت امام اختبارات قاسية، لم تتجاوزها كلها بعد، لكنها ما زالت قائمة، وقد تنجح باذن الله، وهمة المخلصين، ويجب رؤية ذلك ووضعه في رصيد التجربة وليس خارجها.
ان الفشل في رؤية هذه الامور الكبيرة وغيرها، ستعني الفشل في رؤية الايجابيات الاخرى وتشخيص السلبيات بما يسمح بتقديم الحلول.. وكلامنا هنا للشعب والقوى التي اسست للتجربة، الذين ان استمر موقفهم ومنطقهم هو التشكيك والتشاؤم والاحباط والوقوف عند السلبيات فقط، وعدم تجاوز الصعوبات بالمزيد من الثقة بالنفس، واستثمار النجاحات، فانهم سيخلون الساحة تماماً لمنطق اعداء التجربة والشعب، التي تهدف الى افقادنا الثقة بانفسنا ووحدتنا، وهنا نُهزم فعلاً.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة