انسحاب النخب الثقافية الأوروبية

مع تصاعد وتيرة التطرف والعنصرية
د. واسيني الأعرج ـ باريس:

نعيش عصراً جديداً، شديد القسوة، ولا نملك حياله الكثير لمحاربة سلبياته التي تضر شعوبه أو توهمها بعدو افتراضي ليس هو العدو الحقيقي. الضجيج الإعلامي المضاد للعربي والمسلم، يربك المواطن الأوروبي العادي، ويقوده نحو مساحات العداوة لأسباب انتخابية أو مصلحية بحتة، ويحتاج إلى زمن كبير لفك العقدة وتنقية الرؤية والوعي، وتلمس العدو الحقيقي المتسبب في ضعف قدراته الشرائية وفقره وخوفه من مستقبل غامض لا يرتسم في الأفق إلا في شكل لطخة شديدة السواد. المحافظة على المناخ الأمني المتأزم باستمرار تبرر تحمل تبعات النظام الرأسمالي في حالات توحشه القصوى. حتى لو انتهى الإرهاب بمختلف أشكاله، تظل الحالة الأمنية والحياتية هي ما يشغل الأوروبي اليوم. وتظل الحاجة إلى العدو الافتراضي شيئاً لا يمكن التخلص منه؛ لأن وجوده جزء من استمرارية الأنظمة الرأسمالية التي لا شيء يهمها إلا الربح على حساب فئات واسعة من شرائح المجتمع.
كل الأنظار في نهاية المطاف تتوجه نحو النخب العالمية المدركة لمجريات اللوحة الخلفية للصراعات المختلفة. من غير المثقف يستطيع تفكيك ذلك؟ المشكلة هي أن هذا المثقف يحتاج أن يكون متحرراً من مؤسسات فبركة الرأي الجاهز، وله وجهة نظر حرة ترى الحياة وفق آليات النظرة العلمية بغض النظر عن الانتماءات السياسية والفكرية والأيديولوجية.
من هنا نستطيع القول إن النخب الثقافية الأوروبية تحتاج اليوم إلى إعادة النظر في مشاريع القرن التاسع عشر والعشرين التي أنجبت المثقف الملتزم بقضايا عصره والمنخرط فيها بقوة، المرتبط عضوياً بالفئات الشعبية ومطامحها، والمنتصر للعدالة والحداثة والحرية والليبرالية الثقافية. فالمهمة صعبة، وما يقع في المحيط ثقيل جداً، ويحتاج إلى قوة تتشكل من أفراد فاعلين يستطيعون ليس فقط التفكير في القادم المعقد جداً في ظل الأزمات العاصفة؛ ولكن أيضاً نقد ممارسات الماضي. العنصرية مرض العصر ليست أمراً سهلاً، بل ابتذلت حتى أصبحت أو تكاد تتحول إلى أمر عادي. وينشئ المتطرفون مقابلها ما أسموه بالعنصرية ضد الرجل الأبيض، وهو كلام لا يستقيم في النهاية، يستعمل فقط لإراحة ضمير يهتز كل يوم قليلاً، مثبتاً هزاله وضعفه الكبيرين؛ لأن المسألة أصبحت مثل المارد الذي خرج من قمقمه. ولما نعود إلى التاريخ نرى مثل هذه الأمراض تنتعش في ظل الأزمات الكبرى، عندما تفشل النخب في إيجاد حلولها الحقيقية فتلصق التهمة في الآخر الجالب لكل الأمراض، بما في ذلك الأمراض الجسمانية المرتبطة بالوافد المتخلف. نحتاج اليوم بقوة إلى إميل زولا جديد يصطف بجانب الحق كما فعل مع دريفوس في نهايات القرن التاسع عشر، ضد آلة أيديولوجية جهنمية، ومصطفة وراء اللاَّ حَقْ. قوية لا بعدالتها ولكن بسلطان جيش فرنسي مهزوم أمام ألمانيا والنمسا في القرن التاسع عشر، وفي حاجة إلى استرجاع هيبته، لأن الحق هو التاريخ. رسالة زولا العظيمة: إني أتهم (J’accuse) ما تزال إلى اليوم تطن في الآذان، كردة فعل ثقافية ضد الطغيان والظلم والتمادي في اللاحق، على الرغم من مرور أكثر من قرن عليها.
من المؤكد أن ما تقوله الخطابات العنصرية يجد اليوم من يتلقاه في ساحة كل يوم تقضم شيئاً من نور أوروبا وتنوعها الثقافي لحساب أحادية مقيتة تنظر إلى المسلم ككائن غير أرضي، ينتمي إلى حضارة دنيا، قادم من مجرة أخرى لا شغل لها إلا تدمير الحضارة الغربية! أو البرابرة بتعبير الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي الذي لا يستطيع أن يخفي عنصريته إلا بالكاد. ومن المؤكد أيضاً أن جُمَلاً عنصرية هاربة من هنا وهناك، في ظل أزمة خانقة يعيشها الأوروبيون بكل أطيافهم وأديانهم بصعوبة وقسوة، يمكنها أن تتحول إلى حقد يتنامى في هدوء وسكينة ليصبح في النهاية عنفاً يصعب التحكم فيه بسهولة. فعقلية التقسيمات الحضارية بهذا الشكل لا يمكنها إلا أن ترجع الكثير من الأوروبيين إلى زمن يتم فيه الحكم على الناس وفق علامات أوجههم، وثقافتهم، ولغاتهم ودياناتهم، وليس وفق ما يمكن أن يمنحوه للمجتمع الفرنسي من غنى وإسهام في التطور. المؤكد أيضاً أن الأوروبيين الذين اكتووا بنار النازية واللاسامية، والعنصرية المقيتة، سيحاربون بقوة، مثل هذه الأفكار التي تغلّب المصلحة السياسوية الضيقة، المرتبطة بظرفية انتخابية طارئة، على حساب الوحدة، واللحمة التي تكونت عبر القرون، وكان ثمنها باهظاً.
إن العنصرية مثل الوباء في ظل الأزمات الكبرى، تنتشر كالنار في الهشيم، لتصبح في الدول الأوروبية التي كانت إلى وقت قريب مسالمة: هولندا والدانمارك والسويد وسويسرا والنرويج.. وغيرها؛ مرضاً مستعصياً ينميه المحافظون الوطنيون، ومكاناً لانتشار الوباء ضد الأجنبي المخالف عرقياً ودينياً، وربما كان العربي والمسلم هو الضحية المثلى في ظل الأزمات والأفعال الإرهابية التي كان ضحيتها هو قبل غيره، مثلما كان اليهودي في القرنين التاسع عشر والعشرين، ضحية زمانه، فألصقت به كل تهم الدنيا، وقاسى شعب ودين بكامله، من خلال ممارسات الأقلية الباهتة. مشكلة العنصرية هي أنها مثل المارد الذي يظل محجوزاً في قمقمه، لكنه عندما يخرج يصبح تدميرياً وتصعب مراقبته. يجب أن تدفع جريمة العنصرية بنا كتاباً ومثقفين وناساً عاديين إلى التأمل والتفكير لأن المستقبل ينبئ بفظاعات أكبر. يجب أن توقظ فينا الحالة حواسنا المقتولة بالإعلام المضلل في أغلبه الأعم، وتدفع بمنظّري النقاء العرقي الجدد، إلى إعادة النظر في أطروحاتهم، وأنهم يعودون بالبشرية إلى الخلف، أي إلى أوبئتها القديمة؟ أوبئة مقولات العنصرية التي بدأت تنتشر بدون أن يكون للقانون ردة فعل ردعية حقيقية.
السبل والمخارج كثيرة، ولكني على يقين بأنّ أوروبا اليوم في حاجة، لتفادي كارثة أخرى تلوح في الأفق شبيهة بالهولوكست؛ إلى رديف لمجلة: (المجلة البيضاء) La revue Blanche التي كان يكتب فيها الكثير من المثقفين والفنانين والتشكيليين، والموسيقيين والسياسيين، والكتاب الذين لعبوا دوراً عالمياً حاسماً في تمييل القضية نحو احترام الإنسان وجدارته بالعيش حراً في المجتمع المتعدد الذي ينتمي إليه. فقد كانت فضاء للنقاش الحر، إذ ضمت في صفوفها كل المتعطشين إلى الحرية والعدالة من فوضويين Les Anarchistes واشتراكيين ومناصري حقوق الإنسان الذين رفضوا في زمانهم جرائم الإبادة في أرمينيا، وأدانوا البربرية الأوروبية في حروبها الاستعمارية، كما نشروا هجاءات Pamphlets تولستوي ونتشه وشتنير Steiner وغيرهم ضد عصرهم القاسي. لأنهم ظلوا يؤمنون بأن للمثقف دوراً عليه أن يؤديه حتى ولو كانت الظروف المحيطة شديدة القسوة.
إنّ الإنسانية تحتاج اليوم إلى أوروبا أخرى أكثر إنسانية وأكثر تجدداً، غير تلك المتصفة بالأنانية، الضيقة الرؤية ومحدودية الأفق، التي بدأت تترسخ للأسف اليوم بشكل قوي، لتعيد إنتاج العنصرية نفسها بأنياب أكثر شراسة، وضحية هذه المرة عدو سامي آخر، ذنبه الوحيد أنه عربي وربما مسلم، وتدفع بالمواطنة التي هي رهان حقيقي في الانتماء الفردي للجماعة، إلى الانزلاق إلى الرتبة العاشرة لتفقد قيمتها كإسمنت اجتماعي حقيقي يوحّد أبناء الأمة بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم وقناعاتهم السياسية والفكرية. المواطنة مقياس حقيقي لسلامة المجتمع، والإصغاء للآخر هي صفة مركزية للتآخي الإنساني، إذ لا يمكن بناء إنسانية حقيقية في ظل غياب هذه العناصر الحيوية الرابطة بين البشر الذين يقتسمون الأهم، الماء والأرض والسماء والبحر والحياة، ويحتاجون إلى مشترك آخر يعمق إنسانيتهم لا أن ينسفهم. للأسف ما نراه اليوم هو عنصرية مقيتة أحرقت كل المكاسب الإنسانية السابقة وعوضتها ببدائل الأنانية والحروب والغطرسة والقوة وإبادة الشعوب التي ترفض الاستسلام لطاحونة الأقوى.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة