اعتذار ميت

مع الاسف لم انقذ عائلتي من براثن العصابات الملثمة والسيارات المظللة، بقيت بين فكي المنية ولا احد يفكر بترويض وحش الدين. مع الاسف فشلت في معالجة المحاصصة التي تمزق وجهي وصارت كل عين عدو العين الاخرى وأنفي لا يتنفس إلا بعد الاختناق، وكل أذن تكذب الأذن الاخرى، فشلت وأنظم وجهي الى أعدائي. مع الاسف لم أفض نزاع اصدقائي الدموي بل راحوا يتهموني: اذا لم أفتري على الشيعة بالمجوس وأبناء المتعة أنا طائفي. اذا لم أتهم كل السنة بالارهاب والذبح والتفخيخ أنا عميل وكافر وضد المذهب. واذا انتقدت البرزاني ودافعت عن العراق انا شوفيني عنصري. بصق الجميع علي واداروا وجوههم يشحذون سكاكين الحقد.مع الاسف نكثت بوعدي مع الاطفال في إنقاذهم من الحريق والعوق والغرق، إنقاذهم من أهلهم البدو القساة ومن البيئة المجرمة ومن الحروب. أخلفت وعدي وكبروا وصاروا مجرمين.
مع الاسف خيبت أمل النساء، وبقيت المرأة تئن تحت شبق الرجل النذل، يشوف نفسه سيد الاولين والاخرين وهو جربوع، ويرى نفسه مركز الكون وهو لا ينوش قامة الصفر. يقول للمرأة من ضلعي خرجتي وهو يرمي كل عظامه للكلاب. لماذا المرأة وحدها الزانية وهي لعاب الشيطان وهن وقود جهنم وكل امرأة تصرخ: هل انا فعلا المدرسة الاولى وأنا مجرد عورة؟ انتقى الله أجمل ما في نفسه وأجمل ما في الطبيعة فخلق المرأة لذلك ينتقم منها الرجل النذل.
مع الاسف ضيعت بغداد وهي تدلني على كل شارع حب، زقاق حنين وبستان وجد وشجرة محفور على جذعها قلب جريح وادخلتني في كل مسامة حانة من شط الدجلة. كنت أعمى من جمالها ولما احترقت فتحت عيوني ورأيت قبح الأمة يسيل على جسدها. كلنا عميان عن بغداد وحين تشوهت أدركنا معنى الجمال، هل دستورنا الفقدان لنسأل من نحن وما كنا وكيف سنكون؟ بغداد أمنا قتلناها بسلاح العروبة والدين والطائفية، وها هي تستجدي أخر ما تبقى من رحمة في قلوب أبنائها كيلا تموت في حضن البشاعة. لا أسمع ما تقولين يا أمي، صوتك ضعيف واهن ها تقولين : الاشرار والمجاهدين يقبلون جسدك بالسيارات المفخخة والعبوات. آخ يا أمي أشعر بالعار، يا بغداد اشعر بالخزي من عدم انقاذك وإيقاف النزيف، يمه القتلة بعدد حروف كتب التراث، لهم وجوه قديمة تطل منها وجوه جديدة، كلهم يتسابقون لقتلك وأنا بلا سلاح، كيف؟ ومن أي قاتل احميك؟
مع الاسف بلدي لوحدك تركتك وهم يتقاسمون أكل قلبك، كيف أمنعهم وقد دجنوا السماء لهم مطية وعقائدهم خناجر. كل الناس أذعنوا من شدة الضرب فتقاسمتهم الاحزاب حتى صار الجميع يهتف : يا عراق. وهم يقتلون العراق. كيف امنعهم من تقاسم قلبك والله مع المجرمين؟ هل يوجد سلاح لانتحار جماعي، نموت سوية يا بلادي ونحرم السفلة من وجودك ولا يستفيدوا حتى من الانقاض؟ أنا يائس من(شعبي) فهو مستعد للموت من البكاء ولا ينقذ صبية من أيدي المغتصبين، هو جالس على عتبات الغيب ينتظر معجرة، ويجهل تماما بأنه هو المعجزة.
مع الاسف يا بيتي ايها العالم : كنت مشغولا أسد ثقوب الرصاص في جسد البلاد فكيف أسد ثقب الاوزون؟
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة