صوت الرأي في العراق (من اللاصدى إلى رجع الصدى)

د.محمد الواضح:

تعقيل الفوضى واللانظام بواثقة القانون لإشاعة جو نقي صحي غير ملوث في فضاء حرية التعبير عن الرأي ضابطة لابد منها بوصفها مبدأ مهما وثابتا أساسيا من ثوابت الدول الديمقراطية المتحضرة ومبادئها، ولاسيما في بلد مثل العراق يزخر بألوان من التعدديات الإثنية والعرقية والجغرافية والثقافية، فالرأي يغدو فيه علامة فارقة وأساسا يعكس ثقافة الحاصل المجتمعي لمكوناته، فالتراكمات الماضية التي عاش فيها الفرد العراقي _ولاسيما إبان النظام الإلغائي التفرُّدي_ ضيقت من مساحة الرأي لديه، وكتمت حرّياته بنحو جعلت من إشهار الرأي لازمةً من لوازم النفي والتقتيل والعزلة والهروب والاضطهاد ونحوها من المكممات العدمية القاهرة حتى أضحت ضريبة لايدفعها وقتذاك الا القلائل أو الندرة لقاء إهدار صوته في الفضاء المحظور والمصاب بداء الحصر والعِيّ السلطوي!
وحين انقشعت سحابة الظلم وانجابت شمس الحرية: الحرية -ولو تسمحا أو تجملا لفظيا -عاشت البلاد شيئا أشبه بحالة من هستيريا الانفضاض الصوتي الهادر حاولت من خلاله إرواء ظمأ الكتمان الخانق طوال الاعوام السابقة.
وهذا الانفتاح كان ظاهره ومعناه بالمجمل إيجابيا وحسنا وإن تشظت مشاربه وسالت بأودية ومسارات مختلفة في مناطق الرأي الجافة من مساحات الجغرافية العراقية شمالا وجنوبا شرقا وغربا حتى كادت تبلغ الطوفان، ولعل ذلك نتيجة واقعية لظاهرة الصَّمم السلطوي التي عاش فيها الفرد العراقي كما أسلفنا.

مسارات الحرية بعد التغيير:
تفاءل العراقيون بعد العام 2003 بفسحة التعبير ومندوحة فضاء الحرية التي توافرت لهم بعد سنّي الاضطهاد والتعسف، وتنفَّسوا صعداء الأمل ببلد بدأ يشهد انعطافة جديدة ومتطورة على صعيد مستوى حريات الرأي، لتتسع معها فضاءات التعبير وتتعدَّد قنوات التواصل، فكان الشارع والمقهى والإعلام بجميع مفاصله المقروء والمسموع والمرئي وشبكات مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت نوافذ مشرَّعة لكل ما يودُّون التعبير عنه بلا رقيبٍ من أحد أو مُلوِّحٍ بالإقصاء أو التعزير والسجن والمنفى؛ إذ زالت عنهم فوبيا إرهاب الرأي فصاروا يمارسون طقوسهم وعاداتهم الدينية والاجتماعية والثقافية بحرية وفي أجواء احتضنت كل تطلعاتهم؛ آملين بغد أفضل يعوّضهم عمَّا فات من أعوام الخيبات والقمع، فصار العراقي يتندر قياسا بما كان عليه وضعه في السابق من جراء فائض الحرية التي وفرت له مساحة من اعلاء صوته في مقابل انحسار السامعين، فغدا واقعهم أشبه ما يمكن وصفه بحالة تدوير لأزمة حرية الرأي التي يعانونها وكأن لاصقة الأفواه التي كمَّمت أصواتهم لأكثر من ثلاثين سنة خَلوْن، تحوّلت إلى آذان مسؤولين، فصارت الساحات والشوارع ميادين لحرق الأصوات شجبا واستنكارا لكل مشكلة أو أزمة تتصدر الواجهة لكن دون جدوى.

فائض التعبير .. والاسترجاعات غير المنتجة
عينا كما يُتداول في عالم الاقتصاد من طرح معادلات قيم العرض والطلب وتفاوت تلك القيم حسب أسواق التصريف ومتطلبات الحاجة، إذ وفَّرت مساحات التعبير عن الرأي بعد العام 2003 سعة في الاستهلاك اللّغوي والإعلامي في إزاء ذلك انعدام شبه تام لتحقيق المنفعة أو الجدوى المترتبة على هذه الوفرة، وبتأمل أعمق لفهم حرية التعبير نجد أن المشكلة لاتكمن في مدى توفير بيئة أو مناخ آمن للإفصاح عن الرأي فقط بل في مدى ترجمة القدر الأكبر للمعبر عنه في أن يلقى الضمانة الأكيدة والصدى الواقعي والاستجابة السريعة له؛ لذا صار دأب بعض من هُم على سُدّة الحكم أن يفسح المجال لأي مكون أو مجموعة من المتظاهرين أو المعتصمين، مراهنا على عامل الوقت في إحباطهم وزرع حالة من اليأس والضجر ربما تنتهي بهم في نهاية المطاف إلى التفرّق دون تحقيق مايصبون إليه، وتلك ظاهرة أسست لسابقة خطيرة انحدرت بواقع الحريات في العراق إلى منعرجات إلتوائية لاحتواء أية ازمات داخلية يواجهونها عبر اقتفاء سبل وآليات خلطت الأوراق فاختلط فيها الحابل بالنابل وغُيّبت فيها الأصوات وضُيِّعت جرَّاءها الحقوق وانعدمت فيها الآمال.

تطور وسائل قمع
حريات الرأي
لاخلاف في أن تعدّد أنماط وسائل الاتصال والإعلام في العراق كفلت تنوعا ثقافيا تعددت بإزائه وسائل التعبير ومرجعياتها التسويقية، فأظهرت لنا الصوت المؤدلج و(المستقل) والوطني الرسمي أيا كانت الوسيلة التي يُطلق فيها أثير ذلك الصوت، وذلك حق مكتسب فرضته اللعبة الديمقراطية في العراق إن لم نقل حقًّا طبيعيًّا غُيِّب بفعل ظروف معروفة ، لكن في مقابل ذلك ثمّة من يستقرئ تطوّرًا جديدًا لوسائل قمع حريات الرأي؛ إذ يرى البعض أنه ليس أسهل من إحباط أي صوت ثقافي رافض أو مناوئ لحالة أو ممارسة سياسية؛ وذلك عبر دسّ تهمٍ جاهزة لضرب روح المعارضة من خلال ربط هذه الجهة أوتلك بارتهان خارجي أو وصف طائفي أو إثني أو حزبي ما، طبعًا مع لحاظ الفارق في من اتَّصف بها فعلا، الأمر الذي أحدث شرخا واضحا جعل من الأصوات الحُرّة المطالبة بأية إصلاح، مبحوحةً وقاصرةً عن بلوغ أهدافها ومراميها، بل قد يصل ووصل الأمر حسب شواهد حاضرة إلى عودة وسائل الترهيب كالقمع والتصفيات الجسدية والاعتقالات إلى مرحلة ماقبل التغيير على قلّتها تعد مؤشرا خطيرا في التضيق على حريات التعبير.

أخيرا وبعد 12 سنة من التغيير… قانون الرأي على مشارف ولادة عسيرة:
اثنتا عشرة سنة مرت ولاتزال مُسوَّدة قانون حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي على طاولة القراءة الثانية لمجلس النواب، في وقت كان الأجدر أن يكون هذا القانون المهم على أولويات الدول المتحوِّلة التي تؤمن بإن حرية الرأي مُسوّغ طبيعي وحتمي أطَّر وجودها القانوني وشرّع لها إدارة دفة البلاد والتحكم بمقاليد السلطة، بيد أن الواقع كما يبدو مغايرا لما نحن فيه، ففي الوقت الذي تشهد البلاد تظاهرات إصلاحية واسعة في مختلف مناطق البلاد تجري بلا جنبة قانونية تنظم لهم طبيعة هذه الممارسة الديمقراطية وماتبيحه وتحظره لتلافي وقوع أي إشكالات، تتصاعد حدة السجالات البرلمانية وتتداخل الرؤى والتقاطعات بسبب وجود جملة ثغرات تحول دون حسم هذا القانون.
وعودا على معنونة هذا المقال الذي وازن بوجازته هذه، مسارات حرية الرأي في عراق ماقبل وبعد التغيير هل عاد (صوت الرأي من اللاصدى إلى رجع الصدى) وهذا السؤال في النهاية يلد سؤالا آخر هل قَصُر التعبير في أن يضع نقطة الشروع على عين الت(غ)يير؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة